اسير بيداد
در خاطر خود راه مده ياد كسي
مانند جرس چند گلو پاره كني
اينجا نرسد كسي به فرياد كسي
--------------------------
تا چرخ به هر لحظه به طرزي دگر است
خوب و بد و تلخي و خوشي در گذر است
غره مشو از تواضع اهل جهان
آن تيغ كه كج تر است خونريز تر است
كتاب مُفاخرة الجواري والغلمان رساله یست ادبی که أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ نویسنده مشهور در باره تفضیل جنسی جنس مذکر و مونث نوشته است نکته مهم در این رساله اینست که نویسنده این بررسی ها را از انواع علوم میداند إنّ لكل نوعٍ من العلم أهلاً يقصدونه ويُؤْثرونه وأصناف العلم لا تُحصى منها الجزلُ ومنها السَّخيف و یادآور نکات جالبی درباره لذت جنسی هر دو جنس است استناد به روایات اسلامی و اشعار و کلام آمیخته به طنزشیرینی خاصی به این نوشته داده و آن را از دیگر آثار جاحظ امتیاز بخشیده است این رساله را می توان از قدیمی ترین نوشته ها اسلامی در این موضوع دانست من قسمتهایی ازاین رساله را قبلا در پاره ای از مقالاتم ترجمه کرده ام و امید وارم یه زودی موفق به ترجمه قسمتهای دیگری از این رساله گردم اینک اصل آن
:
كتاب مُفاخرة الجواري والغلمان
بسم الله الرحمن الرحيم بالله نستعين وإياه نستهدي وعليه نتوكل.
إنّ لكل نوعٍ من العلم أهلاً يقصدونه ويُؤْثرونه وأصناف العلم لا تُحصى منها الجزلُ ومنها السَّخيف.
وإذا كان موضع الحديث على أنّه مُضحكٌ ومُلهٍ وداخلٌ في باب حدّ المزج فأُبدلت السَّخافة بالجزالة انقلب عن جهته وصار الحديث الذي وُضع على أن يَسُرَّ النفوس يكرُبُها ويغُمّها.
ومن كان صاحب علم ممرَّناً موقَّحا إلف تفكير وتنقيب ودراسة وحلف تبيُّن وكان ذلك عادةً له لم يضره النَّظرُ في كلِّ فنٍّ من الجدّ والهزل ليخرج بذلك من شكل إلى شكل.
فإنَّ الأسماع قد تملُّ الأصوات المطربة والأوتار الفصيحة والأغانيَّ الحسنة إذا طال ذلك عليها.
وقد رُوي عن أبي الدّرداء رضي الله عنه أنه قال: " إنِّي لأستجمُّ نفسي ببعض الباطل مخافة أن أحمل عليها من الحقّ ما يُملُّها ".
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " العلم أكثر من أن يُحصى فخذوا من كلِّ شيءٍ أحسنه ".
ورُوي عن الشَّعبي أنه قال: " إنّ القلوب تملُّ الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة ".
وبعض من يُظهر النسك والتقشُّفإذاذُكر الحر والأير والنَّيك تقزَّز وانقبض.
وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجلٌ ليس معه من المعرفة والكرم والنُّبل والوقار إلاَّ بقدر هذا التصنُّع.
ولو علم أنَّ عبد الله بن عباسٍ أنشد في المسجد الحرام وهو مُحرمٌ: وهُنَّ يمشين بنا هميسا إنْ تصدُقِ الطَّيْرُ ننكْ لميسا فقيل له: إنَّ هذا من الرَّفث! فقال: إنما الرَّفث ما كان عند النساء.
وقول عليٍّ رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة ولم يكن في حسبه بذاك فقال: من في هذه البيوت فقال: عقائل من عقائل العرب.
فقال: " من يَطُلْ أيرُ أبيه ينتطْق به ".
فعلى عليٍّ في التَّنزُّه يُعَوَّل.
وقول أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه لبُديل بن ورقاء يوم الحُديبية وقد تهدَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عضضت ببظْر اللات أنحنُ نخذُله! ".
وقول حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنه: " وأنت يا ابن مقطِّعة البُظور ممن يكثِّر علينا! ".
ولو تتبَّعت هذا وشبهه وجدته كثيرا.
وإنما وُُضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة ولو كان الرأي ألاّ يُلفظ بها ما كان لأوّلِ كونها معنىً ولكان في التَّحريم والصَّون للُغة العرب أن تُرفع هذه الأسماء والألفاظ منها.
وقد أصاب كلَّ الصَّواب من قال: " لكلِّ مقامٍ مقال ".
ولو كان ممّن يتصوَّف ويتقشَّف علم قول امرأة رفاعة القّرظيّ تَجْبَهه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير محتشمة: إنّي تزوّجت عبد الرحمن بن الزبير وإنّما معه مثل هُدبة الثَّواب وكنت عند رفاعة فطلَّقني - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على التبسُّم حتى قضتْ كلامها - فقال: " تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتَّى تذوقي من عُسيلته ويذوق من عُسيلتك ".
ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزُّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها لعلم أنّه على سبيل التَّصنُّع والرِّياء.
ولو سمعوا حديث ابن حازمٍ حين زعم أنَّه يُقيم ذكره ويصعد السُّلَّم وامرأته متعلقة بذكره حتَّى يصعد.
وحديث ابن أخي أبي الزِّناد إذْ يقول لعمِّه: أنْخَرُ عند الجماع قال: يا بُنيَّ إذا خلوت فاصنع ما أحببت.
قال: يا عمِّ أتنخرُ أنت قال: يا بنيّ لو رأيت عمَّك يجامع لظننت أنّه لا يؤمن بالله وهذان من ألفاظ المُجان.
ورُوي عن بعض الصَّالحين من التابعين رحمه الله أنه كان يقول في دعائه: اللهمَّ قوِّ ذكري على نكاح ما أحللت لي.
ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الردَّ على من أنكر هذهذ الأمور ولكنَّا لما ذكرنا اختصام الشِّتاء والصيف واحتجاج أحدهما على صاحبه واحتجاج صاحب المعز والضَّأن بمثل ذلك أحببنا أن نذكر ما جرى بين اللاَّطة والزُّناة وذكرنا ما نقل حُمَّال الآثار وروتْه الرُّواة من الأشعار والأمثال وإن كان في بعض البطالات فأردنا أن نقدِّم الحُجَّة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا.
ونعوذ بالله أن نقول ما يُوتغ ويُردي وإليه نرغب في التأييد والعصمة ونسأله السلامة في الدِّين والدُّنيا برحمته.
قال )صاحب الغلمان(: إن من فضل الغلام على الجارية أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل: كأنَّها غلام ووصيفةٌ غلامية.
قال الشاعر يصف جارية: لها قدُّ الغلام وعارضاه وتفتير المبتَّلة اللَّعوبِ فطِبْ لحديثٍ من نديم موافقٍ وساقيةٍ بَيْنَ المُراهقِ والحُلْمِ إذا هي قامت والسُّداسيَّ طالها وبين النَّحيف الجسم والحسن الجسم وقال والبة بن الحُباب: وميراثيَّة تمشي اختيالاً من التكريه قاتلة الكلام لها زيُّ الغلام ولم أقسْها إليه ولم أُقصِّر بالغلامِ وقال عُكاشة: مطمومة الشَّعْر في قُمصٍ مزرَّرةٍ في زيّ ذي ذكرٍ سيماهُ سيماها وأكثر من قول الشاعر قول الله عزّ وجلّ: " يطوف عليهمْ غلمانٌ لهمْ كأنهم لؤلؤ مكنونٌ " وقال تبارك وتعالى: " يطوف عليهم ولْدانٌٌ مُخلَّدون.
بأكوابٍ وأباريق ".
فوصفهم في غير موضعٍ من كتابه وشوَّق إليهم أوْلياءه.
قال )صاحب الجواري(: قد ذكر الله جلَّ اسمه الحور العين أكثر مما ذكر الولدان فما حجَّتك في هذا إلا كحجَّتنا عليك.
ومما صان الله به النِّساء أنَّه جعل في جميع الأحكام شاهدين: منها الإشراك بالله وقتل النَّفْس التي حرم الله تعالى وجعل الشهادة على المرأة إذا رُميت بالزِّنى أربعةً مجتمعين غير مفترقين في موضعٍ يشهدون أنَّهم رأوه مثل الميل في المُكحُلة.
وهذا شيءٌ عسير لما إراد الله من إغماض هذا الحد إذ جعل فيه الشَّدخ بالحجارة.
وإنما خلق الله الرِّجال بالنساء.
وريح الجارية أطيب وثيابها أعطر ومشيتها أحسن ونغْمتها أرق والقلوب إليها أمْيل.
ومتى أردتها من قُدَّامٍ أو خَلْفٍ من حيث يحسن ويحلّ وجدت ذلك كما قال الشاعر: وصيفةٌ كالغلامِ تصلح لل أمرين كالغُصن في تثنِّيها أكملها اللهُ ثم قال لها لما استتمَّت في حُسنها: إيها قال: ونظر بعض الحاجِّ إلى جاريةٍ كأنها دمية في محراب قد أبْدت عن ذراعٍ كأنه جُمارة وهي تكلَّمُ بالرَّفث فقال: يا هذه تكلَّمين بمثل هذا وأنت حاجَّة! قالت: لست حاجّة وإنما يحجُّ الجمل ألست تراني جالسةً وهو يمشي! قال: ويحك لم أر مثلك فمن أنت قالت: أنا من اللواتي وصفهنَّ الشَّاعر فقال: ودَقّت وجَلَّت واسبكرّت وأُكملتْ فلو جُنَّ إنسانٌ من الحسن جُنَّتِ قال )صاحب الغلمان(: إنّ أحداً لا يدخل الجنّة إلا أمرد كما جاء في الحديث: " إن أهل الجنّة يدخلونها جُرْداً مكحَّلين ".
والنِّساء إلى المُرْدِ أمْيل وله أشهى كما قال الأعشى: وقال امرؤ القيس: فيا رُبَّ يومٍ قد أروحُ مرجَّلاً حبيباً إلى البيض الأوانسِ أملسا أراهن لا يُحببن من قلَّ ماله ولا من رأين الشَّيب فيه وقوَّسا وقال عَلْقمة بن عبدة: فإنْ تسألوني بالنِّساء فإنّني بصيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ يُردْن ثراء المال حيث علمنه وشرخُ الشَّباب عندهنَّ عجيبُ قال )صاحب الجواري(: فإن الحديث قد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: " حُبِّبت إليَّ النِّساء والطِّيب وجعل قُرَّة عيني في الصلاة ".
ولم يأت للغلمان مثل هذه الفضيلة.
وقد فُتن بالنساء الأنبياء عليهم السلام منهم داود ويُوسف عليهما السلام.
قال )صاحب الغلمان(: لو لم يكن من بليّة النساء إلاّ أنّ الزِّنى لا يكون إلاّ بهنّ وقد جاء في ذلك من التغليظ ما لم يأتِ في غيره في الكتاب نصّاً وفي الروايات الصحيحة.
قال الله تبارك وتعالى: " ولا تقْربوا الزِّنى إنَّه كان فاحشةً وساء سبيلاً " وقال: " ولا يزْنون ومنْ يفعلْ ذلك يًلْقَ أثاماً.
يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخْلُدْ فيه مُهاناً " وقال: " الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذْكم بهما رأفةٌ ".
وقد جعل بينهما إذا لم يكن شهودٌ التلاعن والفرقة في عاجل الدُّنيا إلى ما أعدَّ للكاذب منهما من اللَّعن والغضب في الآخرة.
قال )صاحب الجواري(: ما جعل الله من الحدّ على الزَّاني إلاّ ما جعل على اللَّوطيّ مثله.
وقد رُوي عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أنّه أُتي بلُطيٍّ فأُصعد المئذنة ثم رُمي منكِّساً على رأسه وقال: " هكذا يُرمى به في نار جهنَّم ".
وحُدِّث عن أبي بكر رضي الله عنه أنّه أُتي بلوطيٍّ فعرقب عليه حائطاً.
وحديث أبي بكر أيضاً رضي الله عنه أنَّ خالد بن الوليد كتب إليه في قومٍ لاطُوا فأمر بإحراقهم.
وأحرقهم هشام بن عبد الملك وأحرقهم خالد بن عبد الله بأمر هشام.
وفي الحديث مجاهد أنَّ الذي يعمل عمل قوم لُوطٍ لو اغتسل بكلِّ قطرةٍ من السَّماء وكلِّ قطرة في الأرض لم يزلْ نجساً.
وحديث الزُّهريّ: " اللُّوطيّ يُرجم أُحصن أو لم يُحصنْ سُنّةٌ ماضيةٌ ".
ورُوي عن الحكم بن عُتَيْبَة أن عليّاً رحمه الله رجم لوطيّاً وقال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذَّكرين يلعب أحدهما بالآخر ".
وحديث أنسٍ قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤنَّثين من الرجال والمذكَّرات من النساء ".
وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنَّثاً من المدينة يقال له " هيتٌ " وسمعه يقول لأمِّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا فتحتم الطَّائف فعليك بادية بنت غيْلان فإنها هيفاءُ شموع إذا قامت تثنَّت وإذا تكلَّمت تغنَّتْ تُقبل بأربعٍ وتُدبرُ بثمانٍ وبين رجليها كالإناء المكفوء فزوِّجيها عُمر ابنك ".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد تغلغلت في النظر يا عدوَّ الله وما ظننتك من ذوي الإربة! ".
فنفاه عن المدينة.
قال )صاحب الغلمان(: من عيوب المرأة أنّ الرجل إذا صاحبها شيَّبتْ رأسه وسهَّكت ريحه وسوَّدت لونه وكثر بوله.
وهنَّ مصايد إبليس وحبائل الشيطان يُتعبن الغنيَّ ويكلِّفن الفقير ما لا يجد.
وكم من رجلٍ تاجرٍ مستورٍ قد فلَّسته امرأته حتَّى هام على وجهه أو جلس في بيته أو أقامته من سوقه ومعاشه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النِّساء ".
قال )صاحب الجواري(: قد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تزوَّجوا فإنِّي مُكاثرٌ بكم الأمم ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مسكينٌ رجلٌ لا زوجة له.
مسكينةٌ مسكينةٌ امرأةٌ لا بعل لها ".
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: " تزوّجوا والتمسوا الولد فإنَّهم ثمراتُ القلوب.
وإيّاكم والعُجُز العُقر ".
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل عصره نساء وكذلك كانت الأنبياء عليهم السلام قبله.
وقد أنبأك الله عزّ وجلّ بخير داود عليه السلام في القرآن وما روي أنه كان لسليمان عليه السلام.
وقد تزوج ابن مسعودٍ في مرضه الذي مات فيه.
وقال مُعاذ: زوِّجوني لا ألقى الله تعالى وأنا عزب.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأُجْهد نفسي في النِّكاح حتّى يُخرج الله منيّ نسمةً تسبِّحه.
وروي أنه قال: عليكم بالأبكار الشَّواب فإنهنَّ أطيب أفواهاً وأنتق أرحاماً.
والحديث في هذا أكثر من أن نأتي عليه.
قال )صاحب الغلمان(: إن من عيوب الجواري أنَّ الرجل إذا اشترى الوصيفة إلى أن يستبرئها محرَّمٌ عليه أن يستمتع بشيءٍ منها قبل ذلك والوصيف لا يحتاج إلى ذلك.
وقد قال الشاعر: فديتك إنمّا اخترناك عَمْداً لأنك لا تحيض ولا تبيض وقد جاء في الحديث أنَّ الزِّنى فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.
فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرِّزق من السماء.
وأمّا اللواتي في الآخرة فالحساب والعذاب ودخول النار.
وروي عن مجاهدٍ قال: إنَّ لأهل النار صرخةً من ريح الزُّناة.
وقالوا: إن أهل النار ليتأذَّون بريح الزُّناة.
قال )صاحب الجواري(: لم نسمع بعاشقٍ قتله حبُّ غلام.
ونحن نعدُّ من الشعراء خاصةً الإسلاميِّين جماعةً منهم جميل بن مَعمَر قتله حبُّ بُثينة وكثيِّر قتله حبُّ عزّة وعروة قتله حبُّ عفراء ومجنون بني عامر هيَّمته ليلى وقيس بن ذريح قتلتْه لُبْنى وعبد الله بن عجلان قتلته هند والغمر بن ضرار قتلتْه جُمْل.
هؤلاء من أحصينا ومن لم نذكر أكثر.
قال )صاحب الغلمان(: لو نظر كثيِّر وجميلٌ وعروة ومن سميِّت من نظرائهم إلى بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشتُرى بالمال العظيم فراهة وشطاطاً ونقاء لون وحُسن اعتدالٍ وجودة قدٍّ وقوام لنبذوا بُثينة وعزّة وعفْراء من حالقٍ وتركوهُنَّ بمزجر الكلاب.
ولكنك احتججت علينا بأعرابٍ أجلافٍ جُفاة غُذُوا بالبؤس والشَّقاء ونشؤوا فيه لا يعرفون من رفاعة العيش ولذَّات الدنيا شيئاً إنّما يسكنون القفار وينفرون من الناس كنفور الوحش ويقتاتون القنافذ والضِّباب وينقُفُون الحنظل وإذا بلغ أحدهم جُهده بكى على الدِّمنة ونعت المرأة ويشبّهها بالبقرة والظَّبية والمرأة أحسن منهما.
نعم حتَّى يشبِّهها بالحيّة ويسِّميها شوهاء وجرباء مخافة العين عليها بزعمه.
فأمّا الأدباء والظرفاء فقد قالوا في الغلمان فأحسنوا ووصفوهم فأجادوا وقدّموهم على الجواري في الجدّ منهم والهزل.
وقال الشاعر يصف الغلام: شبيهٌ بالقضيب وبالكثيب غريبُ الحسن في قدٍّ غريبِ براه الله بدراً فوق غصنٍ ونيط بحقوه دعص الكثيبِ أغنُّ تولَّدُ الشَّهوات منه فما تعدوه أهواء القلوبِ وما اكتحلت به عينٌ ففاتت مسلَّمة الضَّمير من الذُّنوبِ شغلت به الهوى ونزعْت عنه ولم أدنس به دنس المُريبِ كلفتُ بظبيٍ له سوالفُ أُدمانْه قضيبٌ على رَمْلةٍ على شُعبتيْ بانه له لحظ وحشيّةٍ وألفاظُ إنسانه وقال أبو نواس: سَقْيا لغير العلياء والسَّند وغير أطلال ميَّ بالجردِ ويا صبيب السَّحاب إن كنت قد جُدت اللِّوى مرةً فلا تعدِ لا تسقينْ بلدةً إذا عُدَّت ال بلدان كانت زيادة الكبدِ إنْ أتحرزْ من الغراب بها يكن مفرِّى منه إلى الصُّردِ بحيثث لا تجلب الفجاجُ إلى أذنيك إلاَّ تصايح النَّقدِ أحسن عندي من انكبابك بال فهْر مُلحّاً به على وتدِ وقوفُ ريحانةٍ على أُذْنٍ وسير كأس إلى فمٍ بيدِ يسقيكها من بني العباد رشاً منتسبٌ عيدُه إلى الأحدِ قال )صاحب الجواري(: فقد قال أبو نواسٍ الحكميُّ شاعركم أيضاً: لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِ واشربْ على الورد من حمراء كالوردِ كأساً إذا انحدرتْ في حلْقِِ شاربها رأيت حمرتها في العين والخدِّ فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ من كفِّ لؤلؤةٍ ممشوقة القدِّ تسقيك من عينها سحراً ومن يدها خمراً فما لك من سكرين من بُدِّ لي نشوتان وللنَّدمان واحدةٌ شيءٌ خصصت به من بينهم وحدي وقال أيضاً: دع عنك لومي فإنَّ اللوم إغراءُ وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ صفراءُ لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرَّاءُ من كفِّ ذات حرٍ في ذي ذكر لها مُحبّان: لوطيٌّ وزنّاءُ قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌ فظلَّ من وجهها في البيت لألاءُ فأرسلتْ من فم الإبريق صافيةً كأنَّما أخذها بالعين إغفاءُ في فتيةٍ زُهُرٍ ذلَّ الزمان لهم فما يصيبهم إلاَّ بما شاءوا بان بك الشَّكل والنَّظيرُ وجلَّ عن وصفك الضَّميرُ فليس يُخطيك في امتحانٍ صغيرُ أمرٍ ولا كبيرُ خُلقت من مثل لا عيانٍ جسماً على أنّه منيرُ فأنت عند المجسِّ نارٌ وأنت عند اللِّحاظ نورُ وقال أبو هشامٍ الخرَّاز: يا من تعدَّى العباد من شبهه لمَّا قصُرن الصِّفات عن كُنُههِ ويا غزالاً يسبي بلحظته مكتحلاً راح أو على مرههِ يجعل قتل النُّفوس نزهته يوشك يُفني النُّفوس في نُزههِ لبَّيك داعٍ دعا فقلتُ له والقلب في كربه وفي ولههِ هذا فؤادي أتاك مبتدعاً طوعاً ولم يأتكمْ على كُرُههِ يشرهُ منكم إلى مواصلةٍ يا بُوس قلبٍ يذوبُ من شرههِ فالآن قل للخيال يطرقُ منْ أعيا عليه وصالُ منتبههِ أحللت من قلبي هواك محلَّة ما حلَّها المشروب والمأكولُ وقال أيضاً: لي حبيبٌ كلَّما زاد في جفوته لي كان أشْهى هو وجهٌ كلُّه في كلِّ ما نظرتْ عيناك منه كان وجها وكذا الدُّرّة لا يدري الفتى أيُّها من أيِّها في العين أبهى وقال أيضاً: أفنيت فيك معاني الشكوى وصفاتِ ما ألقى من البلوى قلَّبتُ آفاق الكلام فما أبصرتني أغفلت عن معنى وأعُدُّ ما لا أشتكي غبناً فأعود فيه مرّةً أخرى فلو أنَّ ما أشكو إلى بشرٍ لأراحني ظنِّي من الشَّكوى لكنّني أشكو إلى حجرٍ تنبو المعاول عنه بل أقْسى فهذا وشبهه من الشعر كثير.
وإذا جئت إلى أصحاب الهزْل كقول بعضهم ممَّن ذمَّ النساء: طمعتْ فيّ طَفْلةٌ ربَّ راج مجنَّبِ قلت لمّا رأيتها أسفرتْ لي: تنقَّبي لست والله مُدخلاً إصبعي جُحْرَ عقربِ وقال آخر: لا أبتغي بالمُرد مطمومةً ولا أبيع الظّبي بالأرنبِ لا أُدخل الجُحْرَ يدي طائعاً أخشى من الحيَّة واالعقربِ وقال آخر: ليس لي في الحرِّ حاجة نيكه عندي سماجة ما ينيك الرَّ إلاّ كلُّ ذي فقرٍ وحاجة فإذا نكتم فنيكوا أمرداً في لون عاجة وقال يوسف لقْوه: ما يساوي نيكُ أنثى عند أيري بعرتينِ إنّما نيك الجواري حلُّ ديْنٍ بعد دينِ وعلى اللُّواط فلا تلُمنْ كاتباً إنّ اللِّواطِ سجيَّةٌ في الكاتبِ ولقد يتُوب من المحارم كلِّها وعن الخُصى ما عاش ليس بتائبِ وقال الحكميّ: للطمةٌ يلطمني أمردٌ تأخذ منّي العين والفكَّا أطيب من تُفاحةٍ في يدي معضوضةٍ قد ملئتْ مسْكا وقال آخر: إنْ تزن محصنةٌ تُرجم علانيةً وإن يلُطْ عزبٌ لا يرجم العزبُ وقال آخر: أيسر ما فيه من مفاضلةٍ أمْنُكَ من طمثه ومن حبلهِ وهذا قليلٌ من كثير ما قالوا فقد قالت الشعراء في الغلام في الجدّ والهزل فأحسنوا كما قالت الشعراء في الغزل والنَّسيب ولا يضير المحسن منهم أقديماً كان أو محدثاً.
قال )صاحب الجواري(: أمّا أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكميّ والرَّقاشيّ ووالبة ونظرائهم من الفُسَّاق والمرغوب عن مذهبهم الذين نبغوا في آخر الزمان سُقّاطٌ عند أهل المروءات أوضاعٌ عند أهل الفضل لأنّهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان فإنما يمدحون وقد علمت ما قال الله تبارك وتعالى في قوم لوطٍ وما عجَّل لهم من الخزي والقذف بالحجارة إلى ما أعدَّ لهم من العذاب الأليم.
فمن أسوأُ حالاً ممن مدح ما ذمَّه الله وحسَّن ما قبَّح! وأين قول من سمَّيت من قول الأوائل في الغزل والنَّسيب والنساء! وهل كان البكاء والتشبيب والعويل إلا فيهنَّ وعليهنّ ومن أجلهنّ! وهل ذمَّت العرب الشَّيب مع الخصال المحمودة التي فيه إلا لكراهتهنَّ له.
قال شاعر الشعراء من الأوّلين والآخرين امرؤ القيس: أراهُنَّ لا يُحببن من قلَّ ماله ولا من رأين الشَّيب فيه وقوَّسا وقال علقمة بن عبدة الفحل وكان نظير امرؤ القيس في عصره: إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ ماله فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ يُردْن ثراء المال حيث علمْنه وشرخ الشَّباب عندهُنّ عجيبُ وما قالت القدماء في النسيب أكثر من أن نأتي عليه.
وأين قول من ذكرت في صفات الغلمان من قول امرؤ القيس في التشبيب حيث يقول: وما ذرفتْ عيناك إلاّ لتضربي بسهميك في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ أغرَّك منّي أنَّ حُبَّكِ قاتلي وأنَّك مهما تأمري القلب يفعلِ وقول الأعشى: حتّى يقولُ الناس مما رأوا يا عجبّاً للقاتل الناشرِ وقال جرير: إنّ الذين غدوْا بلبِّك غادروا وشلاً بعينك لا يزالُ معينا غيَّضْنَ من عبراتهنَّ وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا وقال جميل: خليليّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلاً بكى من حبِّ قاتله قبلي وقال القُطاميّ: يقتُلننا بحديثٍ ليس يعلمُه من يتَّقين ولا مكنونه بادي فهنّ ينبذن من قولٍ يُصبْن به مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصادي فهؤلاء القدماء في الجاهلية والإسلام فأين قول من احتججت به من قولهم!.
ولا نعلم أحداً قال في الغلام ما قال الحكميّ وهو من المحدثين.
وأين يقع قوله من قول الأوائل الذين شبَّبوا بالنساء! فدعْ عنك الرَّقاشيّ ووالبة والخرَّاز ومن أشبههم فليست لك علينا حجّة في الشعراء.
وأُخرى: ليس من قال الشعر بقريحته وطبعه واستغنى بنفسه كمن احتاج إلى غيره يطردُ شعره قال )صاحب الغلمان(: ظلمت في المناظرة ولم تُنصف في الحجَّة لأن لم ندفع فضل الأوائل من الشعراء إنّما قلنا إنهم كانوا أعراباً أجلافاً جُفاةً لا يعرفون رقيق العيش ولا لذَّات الدنيا لأنَّ أحدهم إذا اجتهد عند نفسه شبَّه المرأة بالبقرة والظبية والحيّة.
فإنْ وصفها بالاعتدال في الخلقة شبّهها بالقضيب وشبَّه ساقها بالبَرْدية لأنّهم مع الوحوش والأحناش نشؤوا فلا يعرفون غيرها.
وقد نعلم أنّ الجارية الفائقة الحُسن أحسنُ من البقرة وأحسنُ من الظَّبية وأحسن من كلِّ شيءٍ شُبِّهَتْ به.
وكذلك قولهم: كأنَّها القمر وكأنّها الشمس فالشَّمس وإن كانت حسنةً فإنما هي شيء واحد وفي وجه الإنسان الجميل وفي خلقه ضروبٌ من الحُسن الغريب والتركيب العجيب.
ومن يشكُّ أنّ عين الإنسان أحسن من عين الظَّبي والبقرة وأن الأمر بينهما متفاوت!.
وهذه أشياءُ يشترك فيها الغلمان والجواري والحجَّة عليك مثلُ الحجّة لك في هذه الصفات.
وأمّا احتجاجُك علينا بالقرآن والآثار والفقهاء فقد قرأنا مثل ما قرأت وسمعْنا من الآثار مثل ما سمعت.
فإن كنت إلى سرور الدُّنيا تذهب ولذّاتها تريد فالقول قولنا.
كما قال الشاعر: ما العيش إلاَّ في جنون الصِّبا فإنْ تولَّى فزمانُ المُدامْ وإن كنت إلى التقشُّف والتزهيد في اللَّذَّات تعمد فترك جميع الشَّهوات من النساء وغيرهنّ أفضل.
فإنْ أنصفت فأْتنا بمثل حجّتنا.
فأمّا أن تتلو علينا القرآن وتأتينا بأحاديث ألَّفتها فهذا منك انقطاع.
ومثلنا ومثلك في ذلك مثل بصريٍّ وكوفيٍّ تفاخرا بعدد أشراف أهل البصرة وأشراف أهل الكوفة فقال البصريّ للكوفيّ: هات في أربع قبائل الكوفة مثل أربعة رجالٍ بالبصرة في أربع قبائل: في تميم الكوفة مثل الأحنف وفي بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع وفي قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم وفي أزد الكوفة مثل المهلب.
فقال الكوفيّ: مخنف بن سُليم من أزد السَّراة وهم أشرف من أزد عُمان.
فقال البصريّ: إنا لم نكن في شرف القبائل وفرق ما بينهما فإنما ذكرنا المهلب بنفسه وما علمت أن أحداً يبلغ من جهله أن يفخر بمخنف بن سليم فيفضّله على المهلب.
وأخْمل رجل من ولد المهلّب أشهر في الولايات وفي الفرسان وفي الناس من مخنف.
والمهلّب رجلٌ ليس له بالعراق نظيرٌ يقاومه ومناقبه وأيّامه وفتُوحُه أكثر وأشهر من أن يجوز لنا أن نجعله إزاء مخْنف.
وما زالوا يقولون: " بصرة المهلّب ".
ولو لم يكن للمهلّب إلاَّ أنه ولد يزيد بن المهلّب كان كافيا.
ونحن إذا قلنا: ليس في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم قال قائل: فزارة أشرف من باهلة.
قلنا: ليس هذه معارضة فإنّما المعارضة أن تذكر أسماء بن خارجة ثم تقول ونقول فنذكر فتوح قتيبة العظام والشَّهامة والنفس الأبية والشَّجاعة والحزم والرأي والوفاء وشرف الولاية ونذكر سُودد أسماء وجوده ونواله.
فأمّا أن نتخطّى أنفسهما إلى قبائلهما كما تخطَّيت بدن المهلَّب وبدن مخنف إلى أزْدِ عمان وأزدِ السَّراة فهذا ليس من معارضة العلماء.
وكذلك إذا ذكرنا عُبّاد البصرة وزُهّادها ونُسَّاكها فقلنا: لنا مثل عامر بن عبد قيس وهرم بن حيَّان وصلة بن أشْيم.
قلت: فعُبَّاد الكوفة: أُويسٌ القرنيّ والرَّبيع بن خُثيم والأسود بن يزيد النَّخعي.
وهذا جواب.
فأمّا أن تذكر طيب الدُّنيا والتمتُّع من لذّاتها وصفات محاسنها وتذكر ظرفاءها وأربابها وتجيئنا بأحاديث الزهّاد والفقهاء فقد انقطع الحجاج بيننا وبينك.
وقد قلنا في صدر كتابنا: إن الكلام إذا وُضع على المزْح والهزل ثم أخرجته عن ذلك إلى غيره من الجدّ تغيّر معناه وبطل.
وقد رُوي أنَّ معاوية سأل عمرو بن العاص يوماً - وعنده شبابٌ من قريش - فقال له: يا أبا عبد الله ما اللذّة فقال: مُر شباب قريشٍ فليقوموا.
فلما قاموا قال: " إسقاط المروءة ".
قال الشاعر في مثل ذلك: وقال الحكميّ: تجاسرت فكاشفةُ ك لمّا غُلب الصَّبرُ وما أحسن في مثل ك أن ينهْتك السِّتْرُ قال )صاحب الجواري(: فنحن نترك ما أنكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ولا حرام ولا ثواب ولا عقاب لكان الذي يُحصِّله المعقول ويدركه الحسُّ والوجدان دالاً على أنَّ الاستمتاع بالجارية أكثر وأطول مدّة لأنه أقل ما يكون التمتُّع بها أربعون عاماً وليس تجد في الغلام معنىً إلاَّ وجدته في الجارية وأضعافه.
فإن أردت التفخيذ فأردافٌ وثيرة وأعجاز بارزة لا تجدها عند الغلام.
وإن أردت العناق فالثُّديُّ النواهد وذلك معدومٌ في الغلام.
وإن أردت طيب المأتى فناهيك ولا تجد ذلك عند الغلام.
فإن أتوه في محاشِّه حدث هناك من الطَّفاسة والقذر ما يكدِّر كلَّ عيش وينغص كلَّ لذّة.
وفي الجارية من نعمة البشرة ولدونة المفاصل ولطافة الكفَّين والقدمين ولين الأعطاف والتثنِّي وقلّة الحشن وطيب العرق ما ليس للغلام مع خصالٍ لا تحصى كما قال الشاعر: .
.
يصف جودة القدّ وحُسن الخرط ويفرق بين المجدولة والسمينة.
وقولهم " مجدولة " يريدون جودة العصب وقلّة الاسترخاء ولذلك قالوا: خُمصانة وسيفانة وكأنها جانٌّ وكأنَّها جدْل عنان وكأنَّها قضيب خيزران.
والتثني في مشية الجارية أحسن ما فيها وذلك في الغلام عيبٌ لأنه بنسب إلى التخنيث والتأنيث وقد وصفت الشعراء المجدولة في أشعارها فقال بعضهم: لها قسمةٌ من خوط بانٍ ومن نقاً ومن رشأ الأقواز جيدٌ ومَذْرِفُ وقال آخر: مجدولة الأعلى كثيبٌ نصفها إذا مشت أقعدها ما خلفها وقال آخر: ومجدولةٍ جدل العنان إذا مشتْ ينوء بخصريها ثقالُ الرَّوادف وقال الأحوص: من المدمجات اللحم جَدْلاً كأنّها عنان صناعٍ أنعمت أن تخوَّدا وقالوا في ذلك أكثر من ان نأتي عليه.
والغلام أكثر ما تبقي بهجته ونقاء خدّيه عشرة أعوام إلى أن تتَّصل لحيته ويخرج من حدّ المرودة ثم هو وقاخٌ طوراً ينتف لحيته وتارة يهْلُبُها ليستدعي شهوة الرِّجال.
وقد أغنى الله الجارية عن ذلك لما وهب لها من الجمال الفائق والحسن الرائق.
فإن قلت: إنّ من النساء من يتحسَّن ويستر عيبه بخضاب الشعر وغيره كما قال الشاعر: عجوزٌ ترجَّى أن تكون فتيَّةً وقد لحب الجنبان واحدوْدبَ الظُّهرُ تدسُّ إلى العطّار ميرة أهلها ولن يصلح العطّارُ ما أفسد الدَّهرُ قلنا: قد يفعل ذلك بعض النساء إذا شُيِّبتْ وليس كالغلام لعموم هَلْب اللِّحى في الغلمان.
وذكرت الخصْيان وحُسن قدودهم ونعمة أبشارهم والتلذُّذ بهم وأنَّ ذلك شيءٌ لا تعرفه الأوائل فألجأْتنا إلى نصف ما في الخصيان وإن لم يكن لذلك معنىً في كتابنا إذ كنّا إنمّا نقول في الجواري والغلمان.
والخصيُّ - رحمك الله - في الجملة ممثَّل به ليس برجل ولا امرأة وأخلاقه مُقسَّمة بين أخلاق النساء وأخلاق الصِّبيان وفيه من العيوب التي لو كانت في حوْراء كان حقيقاً أن يُزهد فيها منه لأن الخصيَّ سريع التبدُّل والتنقُّل من حدّ البضاضة وملاسة الجلد وصفاء اللَّون ورقَّته وكثرة الماء وبريقه إلى التكسُّر والجمود والكمود والتقبُّض والتجمُّد والتحدُّب وإلى الهزال وسوء الحال.
لأنّك ترى الخصيَّ وكأنَّ السيوف تلمع في وجهه وكأنه مرآةٌ صينيَّة وكأنّه جُمارة وكأنّه قضيب فضّةٍ قد مسَّه ذهب وكأنّ في وجناته الورد.
فإن مرض مرْضةً أو طعن في السنِّ ذهب ذهاباً لا يعود.
وقال بعض العلماء: إنّ الخصيَّ إذا قُطع ذلك العضو منه قويتْ شهوته وقويتْ معدته ولانت جلدته وانجردت شعرته وكثرتْ دمعته واتَّسعت فقْحته ويصير كالبغل الذي ليس هو جماراً ولا فرساً لأنّه ليس برجلٍ ولا امرأة.
فهو مذبذبٌ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ويعرض للخصيّ سُرعة الدَّمعة والغضب وذلك من أخلاق النساء والصِّبيان.
ويعرض له حبُّ النميمة وضيقُ الصَّدر بما أُودع من السِّرِّ.
ويعرض لهم البول في الفراش ولا سيَّما إذا بات أحدهم ممتلئاً من النَّبيذ.
ومما ناله من الحسرة والأسف لما فاتهم من النّكاح مع شدّة حبِّهم للنساء أبغضوا الفحول أشدَّ من تباغض الأعداء فأبغضوا الفحول بُغض الحاسد لذوي النِّعمة.
وزعم بعض أهل التجربة من الشُّيوخ المعَّمرين أنَّهم اعتبروا أعمار ضروب الناس فوجدوا طول أعمار الخصيان أعمَّ من جميع أجناس الرجال وأنهم لم يجدوا لذلك عِلّةً إلاَّ عدم النّكاح.
وكذلك طول أعمار البغال لقلة النَّزْو.
ووجدوا أقل الأعمار أعمار العصافير لكثرة سفادها.
ثم الخصيُّ مع الرِّجال امرأة ومع النِّساء رجل.
وهو من النمائم والتحريش والإفساد بين المرء وزوْجه على ما ليس عليه أحد.
وهذا من النَّفاسة والحسد للفحول على النساء.
ويعتريه إذا طعن في السنِّ اعوجاج في أصابع اليد والتواءٌ في أصابع الرِّجل.
ودخل بعض الملوك على أهله ومعه خصيٌّ فاستترت منه فقال لها: تستترين منه وإنما هو بمنزلة المرأة! فقالت: ألموضع المُثْلة به يحلُّ له ما حرَّم الله عليه.
مع أنَّ في الخصيِّ عيوباً يطول ذكرها.
ولولا خوف الملال والسآمة على الناظر في هذا الكتاب لقلْنا في الاحتجاج عليك بما لا يدفعه من كانت به مُسكة عقل أوْ له معرفة.
وفيما قُلنا ما أقنع وكفى.
وبالله الثِّقة.
وقد ذكرنا في آخر كتابنا هذا مقطَّعاتٍ من أحاديث البطَّالين والظُّرفاء ليزيد القارئ لهذا الكتاب نشاطا ويذهب عنه الفتور والكلال ولا قوَّة إلا بالله.
- قال: مرض رجلٌ من عُتاة اللاَّطة مرضاً شديدا فأيسوا منه فلما أفاق وأبلَّ من مرضه دخل عليه جيرانه فقالوا له: احمد الله الذي أقالك ودعْ ما كنت فيه من طلب الغلمان والانهماك فيهم مع هذه السنِّ التي قد بلغتها.
قال: جزاكم الله خيراً فقد علمت أنّ فرط العناية والمدَّة دعاكم إلى عظتي.
ولكنّي اعتدت هذه الصناعة وأنا صغير وقد علمتم ما قال بعض الحكماء: ما أشدَّ فطام الكبير!.
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يُواري في ثرى رمسهِ فقاموا من عنده آيسين من فلاحه.
- قال: كان رجلٌ من اللاَّطة وله بنون لهم أقدارٌ ومروءات فشانهمْ بمشيته مع الغلمان وطلبه لهم فعاتبوه وقالوا: نحن نشتري لك من الوصائف على ما تشتهي تشتغل بهنَّ فقد فضحتنا في الناس.
فقال: هبكم تشترون لي ما ذكرتم فكيف لشيخكم بحرارة الجُلجُلتين! فتركوا عتابه وعلموا أنّه لا حيلة فيه.
- وقال بعض اللُّوطيين: إنَّما خُلق الأير للفَقْحة مدوّرٌ لمدوَّرة ولو كان للحر كان على صيغة الطَّبرْزين.
وقال شاعرهم: إذا وجدت صغيراً وجأتأصل الحمارة وإن أصبت كبيرا قصدت قصد الحرارة فما أبالي كبيراً قصدت أو ذا غرارة - وقيل لامرأة من الأشراف كانت من المتزوِّجات: ما بالك مع جمالك وشرفك لا تمكثين مع زوجك إلاّ يسيراً حتى يطلِّقك قالت: يريدون الضِّيق ضيَّق الله عليهم.
- قال: طلَّق رجلٌ امرأته فمرَّ رجلٌ في بعض الطُّرقات فسمع امرأةً تسأل أخرى عنها فقالت: البائسة طلَّقها زوجها! فقالت: أحسن بارك الله عليه.
فقال لها: يا أمة الله من شأن النِّساء التعصُّب بعضهن لبعض وأسمعك تقولين ما قلت.
قالت: يا هذا لو رأيتها لعلمت أن الله تعالى قد أحلَّ لزوجها الزِّنى من قُبح وجهها.
- وقال مخنَّثٌ لامرأة: يا معشر النِّساء مالكنَّ همَّةٌ إلاّ طلب النَّيك لا تُؤْثرون عليه شيئاً.
فقالت: إن أمْراً انتقلت من شهوته من طبْع الرِّجال إلى النساء حتَّى عقرت لحيتك له لحقيق ألا تُلام عليه.
- قال إسحاق الموصلي: نظرت إلى شابٍّ مخنَّثٍ حسن الوجه جداً قد هلب لحيته فشان وجهه فقلت له: لم تفعل هذا بلحيتك وقد علمت أنّ جمال الرجال في اللِّحى فقال: يا أبا محمد أيسرُّك بالله أنّها في استك قلت: لا والله! فقال: ما أنصفتني أتكره أن يكون في استك شيءٌ وتأمرني أن أدعه في وجهي!.
- وقال: اشترى بعض ولاة العراق قينةً بمالٍ كثير فجلس يوماً يشرب وأمرها أن تغنِّيه فكان أوّل صوتٍ تغنَّت به: أروح إلى القصَّاص كلَّ عشيَّةٍ أرجِّي ثواب الله في عدد الخُطى فقال للخادم: يا غلام خذْ بيد هذه الزَّانية فادفعْها إلى أبي حزْرة القاصّ.
فمضى بها إليه فلقيه بعد ذلك فقال: كيف رأيت تلك الجارية فقال: ما شئت أصلحك الله غير أنّ فيها خصلتين من صفات الجنة! قال: ويلك ما هما قال: البرد والسِّعة.
- قال: علق رجلٌ من أهل المدينة امرأةً فطال عناؤه بها حتّى ظفر بها فصار بها إلى منزل صديقٍ له مغنٍّ ثم خرج يشتري ما يحتاج إليه فقالت له: لو غنَّيت لي صوتاً إلى وقت مجي صديقك!.
فأخذ العود وتغنَّى: من الخفرات لم تفضحْ أخاها ولم ترفعْ لوالدها شنارا قال: فأخذت المرأة خُفَّها ولبستْ إزارها وقالت: ويلي ويلي لا والله لا جلست! فجهد بها فأبتْ وصاحت فخشي الفضيحة فأطلقها.
وجاء الرجل فلم يجدْها فسأله عنها فقال: جئتني بمجنونة قال: ما لها ويلك قال: سألتْني أن أغنِّيها صوتاً ففعلت فضربت بيدها إلى خفِّها وثيابها فلبستْ وقامت تولول فجهَدْتُ أن أحبسها فصاحت فخَّليتها.
قال: وأيِّ شيء غنَّيتها فأخبره فقال: لعنك الله! حُقَّ لها أن تهرب!.
قال: تواصف قومٌ الجماع وأفاضوا في ذكر النساء وإلى جانبهم مخنَّث فقال: بالله عليكم دعوا ذکرالحر لعنه الله قال واحد منهم الی جانبه متی آخر عهدک معه قال مذ خرجت عنه - قال: تزوّج رجلٌ امرأةٌ فمكثت عنده غير بعيد ثم أتى الرجل بالذي زوّجه فقدَّمه إلى القاضي فقال: أصلحك الله إنّ هذا زوّجني امرأةً مجنونة.
قال: وأيَّ شيءٍ رأيت من جنونها قال: إذا جامعتها غُشي عليها حتَّى أحسبها قد ماتت.
فقال له القاضي: قم قبحك الله فما أنت لمثل هذه بأهل.
وكانت ربوخاً.
1 - قال: كانت عائشة بنت طلحة من المتزوّجات فتزوّجها عُمر بن عبيد الله بن مَعمر التَّيميّ فبينا هي عنده تحدَّث مع امرأةٍ من زوَّارها إذْ دخل عُمر فدعا بها فواقعها فسمعت المرأة من النَّخير والشَّهيق أمراً عجيباً فلمَّا خرجت قالت لها: أنت في شرفك وقدْرك تفعلين مثل هذا! قالت: إنّ الددوابَّ لا تُجيد الشُّرب إلاَّ على الصَّفير!.
2 - قال: وكانت حُبَّي المدينيّة من المغتلمات فدخل عليها نسوةٌ من المدينة فقلن لها: يا خالة أتيناك نسألك عن القبْع عند الجماع يفعله النِّساء أهو شيءٌ قديم أم شيءٌ أحدثه النِّساء قالت: يا بناتي خرجت للعمرة مع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه فلمَّا رجعنا فكُنَّا بالعرْج نظر إليّ زوجي ونظرت إليه فأعجبه منيّ ما أعجبني منه فواثبني ومرَّت بنا عيرُ عثمان فقبعت قبعةً وأدركني ما يصيب بنات آدم فنفرت العير - وكانت خمس مائة - فما التقى منها بعيران إلى الساعة.
ويقال إن حُبَّي علَّمت نساء المدينة القبْع والغربلة.
3 - قال: وكانت خُليدة امرأةً سوداء ذات خَلْق عجيب وكان لها دارٌ بمكة تكريها أيام الحاجّ فحجَّ فتىً من أهل العراق فاكترى منزلها فانصرف ليلةً من المسجد وقد طاف فأعيا فلما صعد السَّطح نظر إلى خليدة نائمة في القمر فرأى أهيأ النّاس وأحسنه خَلْقاً فدعتْه نفسه إليها فدنا منها فتركته حتى رفع برجليها فتابعتْه وأرتْه أنها نائمة فناكها فلمَّا فرغ ندم فجعل يبكي ويلطم وجهه فتعاربت وقالت: ما شأنك لسعتك حيّة لدغتْك عقرب ما بالك تبْكي قال: لا والله ولكنِّي نكتك وأنا محرم.
قال: فتنيكني وتبكي أنا والله أحقُّ بالبكاء منك.
قمْ يا أرعن!.
4 - وقال ابن حُبَّي لأمِّه: يا أُمَّه أيُّ الحالات أعجب إلى النِّساء من أخْذ الرجال إيّاهنّ قالت: يا بنيّ إذا كانت مُسنَّة مثلي فأبركْها وألصقْ خدَّها بالأرض ثم أوعبْه فيها.
وإذا كانت شابّةً فاجمع فخذيْها إلى صدرها فأنت تدرك بذلك ما تريد منها وتبلغ حاجتك منها.
5 - وقال: اشترى قومٌ بعيراً وكان صعباً فأرادوا إدخاله الدار فامتنع فجعلوا يضربونه وهو يأبى فأشرفتْ عليهم امرأةٌ كأنّها شقَّة قمر فبُهتوا ينظرون إليها فقالت: ما شأنه فقال لها بعضهم: نربده على الدُّخول فليس يدخل.
قالت: بُلَّ رأسه حتَّى يدخل.
6 - قال: نظر رجلٌ بالمدينة إلى جاريةٍ سريّة ترتفع عن الخدمة فقال: يا جارية في يدك عمل قالت: لا ولكنْ في رجلي.
7 - قال بعضهم: كنا في مجلس رجلٍ من الفقهاء فقال لي رجل: عندك حُرّةٌ أو مملوكة قلت: عندي أمُّ ولدٍ ولم سألتني عن ذلك قال: إنّ الحرّة لها قدرها فأردت أن أعلّمك ضرباً من النَّيك طريفاً.
قلت: قل لي.
قال: إذا صرت إلى منزلك فنم على قفاك واجعل مخدّةً بين رجليك وركبك ليكون وطاءً لك ثم ادعُ الجارية وأقم أيرك وأقعدها عليه وتحوَّل ظهرها إلى وجهك وارفع رجليك ومرها أن تأخذ بإبهامك كما يفعل الخطيب على المنبر ومرها تصعد وتنزل عليه فأنَّه شيء عجيب.
فلمَّا صار الرجل إلى منزله فعل ما أمره به وجعلت الجارية تعلو وتستفل فقالت: يا مولاي من علَّمك هذا النَّيك قال: فلانٌ المكفوف.
قالت: يا مولاي ردّ الله عليه بصره!.
8 - قال: كانت امرأة من قريش شريفةً ذات جمال رائعٍ ومال كثير فخطبها جماعةٌ وخطبها رجلٌ شريفٌ له مالٌ كثير فردّته وأجابت غيره وعزموا على الغدُوِّ إلى وليّها ليخطبوها فاغتمَّ الرجل غمّاً شديداً فدخلت عليه عجوزٌ من الحيّ فرأتْ ما به وسألته عن حاله فأخبرها وقالت: ما تجعل لي إنْ زوّجتُك بها قال: ألف درهم.
فخرجتْ من عنده ودخلت عليها فتحدَّثتْ عندها مليّاً وجعلتْ تنظر في وجهها وتتنفَّس الصُّعداء ففعلت ذلك غير مرَّة فقالت الجارية: ما شأنك يا خالة تنظرين في وجهي وتنفَّسين قالت: يا بُنيّة أرى شبابك وما أنعم الله عليك به من هذا الجمال وليس يتمُّ أمر المرأة إلاَّ بالزَّوْج وأراك أيِّماً لا زوج لك.
قالت: فلا يغُمَّك الله قد خطبني غير واحدٍ وقد عزمت على تزويج بعضهم.
قالت: فاذكري لي من خطبك.
قالت: فلان.
قالت: شريفٌ ومن قالت: فلان.
قالت: شريف فما يمنعك منه قالت: وفلانٌ - لصاحبها - قالت: أُفٍّ أفّ لا تريدينه.
قالت: وماله أليس هو شريفاً كثير المال قالت: بلى ولكن فيه خصلةً أكرهها لك.
قالت: وما هي قالت: دعي عنك ذكرها.
قالت: أخبريني على كلِّ حال.
قالت: رأيته يبول يوماً فرأيت بين رجليه رجلاً ثالثة.
وخرجت من عندها فأتته فقالت: أعدْ إليها رسولك.
وأتاها الرجل الذي كانت أجابته - بعد مجيء الرسول - فردّتْه وبعثت إلى صاحب المرأة: أن اغد بأصحابك.
فتزوّجها فلما بنى بها إذا معه مثل الزِّرّ فلمَّا أتتْها العجوز فقالت: بكم بعتيني يا لخناء قالت: بألف درهم.
قالت: لا أكلتيها إلاّفي المرض!.
9 - قال: كان هشام بن عبد الملك يقبض الثِّياب من عظم أيره فكتب إلى عامله على المدينة: " أما بعد فاشتر لي عكاك النَّيك ".
قال: وكان له كاتبٌ مدينيٌّ ظريف فقال له: ويحك ما عكاك النِّيك قال: الوصائف.
فوجَّه إلى النَّخَّاسين فسألهم عن ذلك.
فقالوا: عكاك النِّيك الوصائف البيض الطوال.
فاشتري منهنّ حاجته ووجّه بهنَّ إليه.
قال: وكانت بالمدينة امرأةٌ جميلةٌ وضيّة فخطبها جماعةٌ وكانت لا ترضى أحداً وكانت أمُّها تقول: لا أزوجها إلاَّ من ترضاه.
فخطبها شابٌّ جميلُ الوجه ذو مالٍ وشرف.
فذكرتْه لابنتها وذكرت حاله وقالت: يا بنيّة إن لم تزوّجي هذا فمن تزَّوَّجين قالت: يا أُمَّه: هو ما تقولين ولكنّي بلغني عنه شيءٌ لا أقدر عليه.
قالت: يا بنيّتي لا تحتشمين من أمِّك اذكري كلَّ شيءٍ في نفسك.
قالت: بلغني أنَّ معه أيراً عظيما وأخاف ألاَّ أقوى عليه.
فأخبرت الأمُّ الفتى فقال: أنا أجعل الأمر إليك تُدخلين أنت منه ما تريد وتحبسين ما تريد.
فأخبرت الابنة فقالت: نعمْ أرضى إن تكفَّلت لي بذلك.
قالت: يا بنيّةُ والله إنّ هذا لشديدٌ عليّ ولكنِّي أتكلَّفه لك.
فتزوّجته.
فلما كانت ليلة البناء قالت: يا أُمَّه كوني قريبةً منّي لا يقتلْني بما معه.
فجاءت الأمّ وأغلقت الباب وقالت له: أنت على ما أعطيتنا من نفسك قال: نعم هو بين يديك.
فقبضت الأمّ عليه وأدنْته من ابنتها فدسَّت رأسه في حرها وقالت: أزيد قالت: زيدي.
فأخرجت إصبعاً من أصابعها فقالت: يا أُمَّه زيدي.
قالت: نعم.
فلم تزل كذلك حتَّى لم يبقِ في يدها شيءٌ منه وأوعبه الرجل كلَّه فيها قالت: يا أُمَّه زيدي.
قالت: يا بنيّة لم يبقِ في يدي شيء.
قالت بنتها: رحم الله أبي فإنّه كان أعرف الناس بك كان يقول: إذا وقع الشيء في يديك ذهب البركةُ منه.
قومي عنّي!.
0 - قال: تزوّج رجلٌ امرأةً وكان معه أيرٌ عظيم جداً فلمَّا ناكها أدخله كلَّه في حرها ولم تكن تقوى عليه امرأة فلم تتكلَّم فقال لها: أيُّ شيءٍ حالك خرج من خلفك بعد قالت: بأبي أنت وهل أدخلته - قال: نظر رجلٌ إلى امرأةٍ جميلة سريّة ورجلٌ في دارها دميم مشوّهٌ يأمر وينهي فظنَّ أنّه عبدها فسألها عنه فقالت: زوجي.
قال: يا سبحان الله مثلك في نعمة الله عليك تتزوَّجين مثل هذا فقالت: لو استدبرك بما يستقبلني به لعظم في عينك.
ثم كشفتْ عن فخذها فإذا فيه بُقع خُضْر فقالت: هذا خطاؤه فكيف إصابته.
2 - قال: وكانت بالمدينة امرأة ماجنة يقال لها سلاَّمة الخضراء فأُخذت مع مخنَّثٍ وهي تنيكه بكيرنْج فرُفعت إلى الوالي فأوجعها ضرباً وطاف بها على جمل فنظر إليها رجلٌ يعرفها فقال: ما هذا يا سلاَّمة فقالت: بالله اسكُتْ ما في الدُّنيا أظلمُ من الرجال أنتم تنيكونا الدَّهر كلَّه فلمَّا نكنا كم مرَّة واحدة قتلتمونا.
3 - قال: تزوّج رجلٌ امرأةً فقيل له: كيف وجدتها قال: كأنَّ ركبها دارة القمر وكأنّ شُفْريها أير 4 - وقال بعض العجائز المغتلمات: وخضبت ما صبغ الزَّمان فلم يدم صبْغي ودامت صبغة الأيامِ أيّام أُمْسي والشَّباب غريرةً وأُناك من خلفي ومن قُدَّامي 5 - وقال سياه وكان من مردة اللاّطة وأسمه ميمون بن زياد بن ثرْوان وهو مولىً لخزاعة: أخزاعُ إنْ عدَّ القبائل فخرهم فضعوا أكفَّكم على الأفواهِ إلاّ إذا ذُكر اللِّواط وأهله والفاتقون مشارج الأستاهِ فهناك فافتخروا فإنّ لكم به مجداً تليداً طارفاً بسياهِ 6 - قال: وجاء سياه إلى الكميت فقال له: يا أبا عُمارة قد قلت على عروض قصيدتك: " أبتْ هذه النَّفسُ إلاّ ادِّكارا " فقال: هات.
فقال: أبتْ هذه النفسُ إلاّ خسارا وإلاّ ارتداداً وإلاّ ازورارا وحمل الدُّيوك وقود الكلاب فهذا هرشاً وهذا نقارا وشرب الخمور بماء الغمام تنفجر الأرض عنه انفجارا 7 - وقال: أُخذ " ديكٌ " وكان من كبار اللاَّطة وهو رجلٌ من أهل الحجاز مع غلامٍ من قُريش كأنّه قديدة فقيل له: عدوَّ الله هبك تُعذر في الغلمان الصِّباح فما أردت إلى هذا فقال: بأبي أنتم وأمِّي قد والله علمت أنّه كما تقولون وإنَّما نكته لشرفه.
8 - وقد يُضرب المثل في اللِّواط بالحجاز فيقال: " ألْوطُ من ديك " كما يقول أهل العراق: " ألْوط من سياه " وهو كوفيّ.
وقد اختصرت كتابي هذا لئلا يملَّه القارئ.
وبالله التوفيق.
تم كتاب مفاخرة الجواري والغلمان والله المستعان وعليه التُّكلان ولا إله إلا هو.
يتلوه إن شاء اللَّه تعالى كتاب القيان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحرٍ الجاحظ أيضاً واللَّه الموفق للصواب.
والحمد للَّه أولاً وآخراً وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه.
تهدف هذه المقاربة المختصرة، إلى إلقاء الضوء على صفحة أخرى، من حياة الجاحظ العريضة والمثيرة، بُغية التعرّف عليها أكثر فأكثر، ألا وهي: الجانب الأخلاقي، وما يُثار، إلى الآن، من شُبهة حول موقفه مما كان منتشراً، على نطاق واسع، من اللواط أو الجنسية المثلية Homosexuality كما يسميها علماء النفس في العصر الحديث. ولتحقيق هذه الغاية، كان لا بد من الرجوع إلى الأخبار والمعلومات في مصادرها. وهي، وإن كان بعضها، غير كاف بذاته لأنه يُشكّل أجزاء مبعثرة، لكن يُمكن لها إذا ما جُمعت، أن تساعد على توضيح الصورة ! يعرض معظم الدارسين كشحا، عن الجانب الأخلاقي من حياة الجاحظ، مؤثرين عدم الخوض به، والإبقاء عليه طي الكتمان. وقد يكون مرد ذلك الموقف، كما يبدو، إلى ما في تلك الإشكالية من حساسية مفرطة، أو خشية النيل من مكانة الجاحظ، أو من قيمة أدبه، كما يعتقد بعضهم. في حين لا الجانب الأخلاقي، ولا الديني حتى، يُمكن له أن يرفع أو يضع، يزيد أو يُنقص، من قيمة الأديب أو أدبه مثقال حبة خردل. فتلك معايير لا تدخل في المعايير الحقيقية للحكم على الأدباء أو أدبهم، وهي بالتالي لا تؤثّر في ميزان حسنات أو سيئات الأديب وأدبه بتاتاً. من هذا المنطلق، لا يبدو أن لتلك المحاذر ما يُسوّغها! وبهذا المعنى، فإن هذه المقاربة لا تبغي، بأي حال من الأحوال، الطعن في الجاحظ، ولا الانتقاص من أدبه، سواء أثبُت بُطلان تلك الشُبهة أم صحتها. فثمة إجماع شبه تام تقريباً، لدى أوساط الدارسين، من العرب وغير العرب، على اختلاف مشاربهم، بأن الجاحظ يُعدّ إمام البيان العربي بلا مُنازع، لما أسداه من أدب وعلم للفكر العربي خاصة، وللفكر الإنساني كافة. لقد بلغت مصنفاته، زهاء ثلاثمائة وستين مصنفاً أو يزيد (1) في ألوان شتى من العلوم والمعرفة الإنسانية. ومما قيل فيها "فكتب الجاحظ تُعلّم العقل أولاً، والأدب ثانياً" (2). وهذا آخر يبالغ في تقديرها، فيقول: "رضيتُ في الجنة بكتب الجاحظ عوضاً عن نعيمها" (3)!
أما أشهر هذه الكتب فهي: البيان والتبيين، والحيوان، والبخلاء، والرسائل. وإذا كانت هذه المقاربة تسعى إلى إلقاء الضوء على جانب واحد فقط، من جوانب عدة في حياة الجاحظ، فإنها، بالقدر نفسه، تسعى كذلك، إلى إعادة النظر في الموقف من تراثنا العربي، ولاسيما التاريخ منه، لما يُسبغ عليه من صفة الجلال والتقديس، وما توارثناه كمسلمات بديهية مقدسة أو شبه مقدسة، لا تقبل الجدل أو النظر، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، هذه الشخصية الفذّة؛ الجاحظ، وما أُحيط بها من هالة فائقة، توسّلاً بالارتقاء إلى قراءة واعية متأنية متأملة وإبداعية! مع الإشارة إلى ضرورة فهم البيئة الاجتماعية، لتلك الحقبة كما هي، وأن نحكم عليها بأحكام تلك الحقبة، ونزن بميزانها، لا بأحكام لا تتلاءم مع طبيعة تلك الحقبة وإن بدا لنا أمر ما، مستغرباً أو مستهجناً أو مستقبحاً! لقد ساعد على تطور التأليف وانتشاره آنذاك، ما بلغته الدولة العباسية، في عصرها الذهبي الأول (132هـ-232هـ)، من أوج ازدهارها في مختلف ميادين الحياة: العلمية والثقافية والعمرانية والمادية والفتوحات . حيث كانت العراق ولاسيما بغداد والبصرة والكوفة وسامراء، أشهر حواضر الإمبراطورية العباسية قاطبة، ترفل في سعة من الحياة المادية، والبذخ والرفاهية المفرطة، وتتفنّن في صنوفها(4) . يُضاف إلى ذلك كله ، فقد تلاقحت الثقافات وتلاقت الأعراق والأجناس من عربية وفارسية ويونانية وتركية ، وغيرها كثير . والذي يعنينا ها هنا تحديداً ، هو طبيعة الحياة المادية وتأثيرها في الناس ، إذ كان من الطبيعي أن تؤدي تلك البيئة المحيطة والمتحررة وما أفرزته ، إلى أنماط حياة مادية فاضحة من المجون والخلاعة والعبث واللواط . وقد تكون من المفارقات العجيبة الغريبة ، أن بعض الخلفاء كانوا على رأس الممارسين لمثل تلك الأنماط الحياتية ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر : الأمين ومن قبله أبوه هارون الرشيد الذي كان يتساهل في هذا الأمر(5) .
ولا غرو فالناس على دين ملوكهم ، كما يُقال ! وقد يكون ، في حكم المؤكد ، أن الحضارة العربية الإسلامية ، ورثت تلك العادة عن الحضارات التي سبقتها . سيما أنها بدأت على عهد الدولة العباسية . ومنهم من يعزو سبب الانتشار الواسع لظاهرة اللواط ، وتسرب الفاحشة بين الذكران في المجتمع العربي ، منذ منتصف القرن الثاني الهجري ، على عهد الدولة العباسية ذات الطابع الفارسي البارز ، إلى أنه كان عن طريق الفرس أنفسهم (6) .
وقد نُسب إلى أبي مسلم الخراساني ، في ألذ العيش ، قوله " ((طعام أحبر ومدام أصفر وغلام أحور)) . ولما سُئل عن تقديم الغلام على الجارية قال ((لأنه في الطريق رفيق ، وفي الإخوان نديم ، وفي الخلوة أهل)) " (7) !
كذلك أطلق الخلفاء الحبل على الغارب للحريات وللعواطف ، دون رقيب من دين أو سلطان ، فانغمس كثير من الشعراء والكتاب في الترف واللهو والمجون ! في مثل تلك البيئة نشأ وعاش الجاحظ . ولا ريب فللمجتمع تأثيره على نوع استجابة الفرد لأي سلوكيات تصدر عنه ، مما يُؤكد على العلاقة الوثيقة ، والربط ما بين الفرد والمجتمع . يقول الجاحظ (8) " الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم " ! من هذا المنطلق ، لا نستطيع فهم الرجل إلا إذا فهمنا عصره . يُضاف إلى ذلك ، كان الجاحظ تتلمذ على أستاذه في النحو ، أبي الحسن الأخفش ، المعروف بأنه كان متهكماً قدرياً .
وقد عاصر الجاحظ ما يُقارب عشرة من الخلفاء العباسيين ، بالنظر إلى تاريخ ولادته (159هـ) في خلافة المهدي ؛ ثالث الخلفاء العباسيين ، ووفاته (255هـ) في خلافة المهتدي . ويبدو أن علاقته كانت أقرب ما تكون إلى أربعة منهم ، وهم على الترتيب : المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، والمتوكل .2 انتشر اللواط في المجتمع العباسي كانتشار الداء ، إلى أن أصبح ظاهرة فاشية ومستشرية بشكل مقلق ، فجاهر به الشعراء الماجنون ، أمثال : بشار بن برد وأبو نواس ومطيع بن إياس ويحيي بن زياد وحماد عجرد وسلم الخاسر ووالبة بن الحباب وإبان اللاحقي وآخرون . ولم يقتصر التهتك واللواط على الشعراء وحدهم ، إنما تجاوزه إلى غيرهم من العلماء والأدباء والكتّاب ، وقد عُرف منهم أبو عبيدة النحوي البصري المعروف ، والكسائي النحوي المشهور (9) .
كذلك ، هو واقع الأمر لدى بعض القضاة ، ومنهم يحيي بن أكثم قاضي البصرة إذ كان معروفاً بكثرة لواطه ، حتى ضجّ الناس به ، ورفعوا أمره إلى الخليفة المأمون " قال أهل الأخبار إن القاضي يحيي بن أكثم كان مشتهراً بحب الغلمان ، وأن أهل البصرة رفعوا بأمره إلى المأمون قبل اتصاله به وقالوا فيه : إنه قد أفسد أولادهم وظهرت منه الفواحش فاستعظمها المأمون وعزله عنهم " (10) . وقد قيل في ذلك شعر ، يصف ما آل إليه هذا الواقع (11) :
أميرنا يرتشي وحاكمنا
يلوطُ والشر بيننا راس
قاض يرى الحدّ في الزناة
ولا يرى على من يلوط باس
وكذلك :
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها
إذا كان قاضي المسلمين يلوط
ومنهم أيضاً القاضي الجرجاني ، مصنّف كتاب ((الوساطة بين المتنبي وخصومه)) . فقد اشتهر بحبه للغلمان ومزاولته لتلك العادة السيئة ، وفي ذلك ، يقول أحد الباحثين " وكان القضاة والفقهاء والمحدثون ، يشاركون عصرهم استساغة لهذه العادة "(12)!
وكان الجرجاني صديقاً للوزير الأديب الصاحب بن عباد ومقرّباً منه ، الذي اشتهر هو الآخر بتلك العادة "
والصاحب بن عباد يفتنه أحد غلمانه الكثيرين بغنجه ولثغته فيقول فيه :
وشادن قلت له : ما اسمك ؟
فقال لي بالغنج عباث
فصرت من لثغته ألثغا
فقلت : أين الكاث والطاث " (13)
ولكثرة ما شاع خبر اللواط واشتهر ، وكثُر الميل نحو تفضيل الغلمان على الجواري ، في مختلف طبقات المجتمع العباسي ، جعل حتى الجواري يتشبّهن بالغلمان في الملبس والمظهر ، فأطلق عليهن لقب ((غُلاميات)) تشبهاً بالغلمان ، هذا بدل أن يكون العكس ، هو الصحيح !
يقول الجاحظ في ذلك " إن من فضل الغلام على الجارية ، أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل : كأنها غلام ، ووصيفة غُلامية " (14) ! ولعل في الفقرة الآتية ، ما يقوم بتوصيف دقيق ، لظاهرة اللواط في واقع المجتمع آنذاك " ومن مظاهر طغيان الجنس ، انتشار الشذوذ الجنسي حتى أصبح اللواط (أو كاد يصبح) ظاهرة طبيعية لا غرابة فيها ، ولا تختص بفئة من الفئات الاجتماعية . قد اشترك فيها العوام والخواص من الخلفاء ، إلى الأمراء والوزراء ، إلى القضاة ...إلى السوقة والرعاع...ظاهرة لم تعد تُنكر أو تُستفظع ، وإنما أصبح يتجاهر بها أصحابها ، وينوّهون بها في أشعارهم ، معتزّين بها ، يرون فيها عنوان امتياز في الذوق ، ودليلاً على البصر بفن الحياة ، وعلى مستوى رفيع في الحضارة " (15) . بالنسبة للجاحظ ، ينفي بعض الدارسين شبهة اللواط عنه ، ويُنزهونه عنها ، دون أي توسّع يذكر ، أو خوض في التفاصيل ، أو التحليل المعمّق ، وهم في ذلك لا يستندون إلا على جزء واحد من أقوال الجاحظ نفسه ، ومكتفين بالإحالة إليها . ونعني بها تلك الجزئية التي تذم اللواط ، مما ورد في بعض رسائله ، ومن بينها ((مفاخرة الجواري والغلمان)) و((المعلمين)) و((تفضيل البطن على الظهر)) . لكن الحقائق ، قد توحي بخلاف ذلك ! إذ من الواضح أن الجاحظ عرض لظاهرة اللواط كرد فعل ليس أكثر ، فراح يذمها ، لاسيما بعد أن راجت وانتشرت في المجتمع وضجّ بها الناس . يُضاف إلى ذلك كله ، أن الجاحظ كان يعمل في حقل التربية ويُدرّس الفتيان ، فخشي ، كما يبدو ، على سمعته !
هوامش
(1) الجاحظ : كتاب الحيوان ، مقدمة المحقق عبد السلام محمد هارون ، ص5 ، دار الجيل ، بيروت ، 1992 .(2) المصدر نفسه : ص10 .(3) الجاحظ : الرسائل ، ج3 ، ص5 ، تقديم المحقق عبد السلام محمد هارون ، ص5 ، دار الجيل ، بيروت ، 1991 .(4) ابن خلدون : المقدمة ، موارد بيت المال ببغداد أيام المأمون ، ص141 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1993 .(5) يوسف بكار : اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري ، الغزل الشاذ : الغزل في المذكر ، ط2 ، ص198-199 ، دار الأندلس ، د. ت. .(6) المصدر نفسه : ص184-185 .(7) المصدر نفسه : ص185 . وكذلك : أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء، ج2،ص144،مطبعة المويلحي،1287هـ. (8) الجاحظ : البيان والتبيين ، ج3 ، ص294 ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون ، دار الجيل ، بيروت ، 1948 .(9) يوسف بكار : اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري ، ص189-190 .(10) الشريشي : شرح مقامات الحريري البصري ، ج1 ، ص185 ، مكتبة الثقافة ، بيروت ، 1952 . زاد عليه المسعودي " فقال المأمون : لو طعنوا عليه في أحكامه قُبِل ذلك منهم " ، مروج الذهب ، ط5 ، ج4 ، ص21 ، دار الفكر ، بيروت ، 1973 .(11) الشريشي : شرح مقامات الحريري البصري ، ج1 ، ص185-186 .(12) محمود السمرة : القاضي الجرجاني ، الأديب الناقد ، ص92 ، المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر ، بيروت ، 1966. انظر تفصيل ذلك في : متز آدم ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، ج2، ص161-167، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، ط3 ، القاهرة ، 1957 . (13) محمود السمرة : القاضي الجرجاني ، ص92 .(14) الجاحظ : الرسائل ، ج2 ، ص195 .(15) البشير المجدوب : الظرف بالعراق في العصر العباسي فيما بين القرنين الثاني والرابع للهجرة ، ص93 ، تونس ، 1992 .(16) شارل بلات : الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء ، ترجمة إبراهيم الكيلاني ، ص359-360 ، دمشق ، 1961 .(17) انظر على سبيل المثال : إبراهيم خليل جريس ، كتابان للجاحظ ، كتاب المعلمين و كتاب في الرد على المشبهة ، ص44 ، جامعة تل أبيب ، مكتبة ومطبعة السروجي ، عكا ، 1980 . وكذلك : بلات شارل ، الجاحظ في البصرة سامراء وبغداد ، ص359-360 .(18) وديعة طه النجم : الجاحظ والحاضرة العباسية ، ص123 ، مطبعة الإرشاد بغداد ، 1965 .(19) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ، ج12 ، ص217 ، بيروت .(20) ابن قتيبة:تأويل مختلف الحديث،ص57،دار ومكتبة الهلال، بيروت،1989.
- - - - - -
وقد تجدر الإشارة إلى موقف الباحث الفرنسي شارل بلات ، الذي لم يتوقف عند تلك الناحية إلا عرضاً ، مكتفياً بالقول " ويجدر بنا أن نذكر لمحة عن اللواط الذي انتشر عند العرب ، حتى أصبح موضوع الشعراء الماجنين المفضل ، كأبي نواس وغيره " (16) .
ولم يتوسع أكثر ، في ما يخص الجاحظ موضوع دراسته ، وإذا به ينتقل إلى الكلام على البخل والكذب !
أما الباحث إبراهيم جريس فيقول (17) " موقف الجاحظ من اللواط – كما يظهر من خلال رسالتيه مفاخرة الجواري والغلمان ، وتفضيل البطن على الظهر ، موقف سلبي للغاية...وها هو في كتاب المعلمين يعود ليؤكد احتقاره لهذه العادة...فيخصّص لذلك عدة أسطر يشير فيها إلى قبحها في ذاتها ، وإلى موقف الإسلام السلبي منها "! وهذا حكم أقل ما يُمكن أن يُقال فيه ، إن غايته الدفاع عن الجاحظ ، على الرغم من أنه يعوزه الدليل ويفتقر إلى أي تمحيص ، وإن كان المعوَّل عليه هو الجاحظ نفسه ! فهل يختلف اثنان بقبح تلك العادة في ذاتها ؟! وشيء آخر ، منذ متى كانت تُقبل شهادة من هو في موضع الشُبهة والاتهام ؟! هذا لا يجوز !
في حين تخلص وديعة طه النجم إلى " أن الرسالة [مفاخرة الجواري والغلمان] تبدو في مناقشتها ، وكأن المتناقشين لا يُعيران اهتماماً لأي عرف اجتماعي وخُلقي " (18) فكل واحد فيهما ، كأنه يريد أن يروّج لسلعته . بمعنى ما ، أن هذا الواقع لم يكن شاذاً ، بل كان فاشياً في المجتمع العباسي !
تُرى ، إن كان الجاحظ يذم اللواط حقاً فيما كتب أو نُقل عنه من رواية ، فهل هذا يعني أنه يقول الصدق والحقيقة ؟! تلك أقوال تحتمل التصديق ، تماماً مثلما تحتمل التكذيب ! إذ لربما كلامه هذا حق يُراد به باطل ؟! بمعنى ، قد يريد أن يدفع عنه شُبهة الانغماس بها ! في الوقت نفسه ، أفلا يحق للقارئ أن يعتقد ، بأن الجاحظ كان يذم اللواط ويكرهه ، على الرغم من أنه كان يمارسه ؟! أفلا يوجد في المجتمع أناس يأتون الخطأ ويرتكبون الخطيئة ، على الرغم من إقرارهم واعترافهم جهاراً ونهاراً بما تقترفه يداهم ، بل ويذمونه كذلك في قرارة أنفسهم حيناً ، وعلى الملأ أمام الناس أحياناً ؟! كما يجب أن لا يغيب عن الأذهان ، أن الجاحظ لا يقيم وزناً لبعض فروض الإسلام ، يقول أحدهم " حضرتُ وليمة حضرها الجاحظ ، وحضرتْ صلاة الظهر ، فصلينا وما صلّى الجاحظ ، وحضرتْ صلاة العصر ، فصلينا وما صلّى الجاحظ . فلما عزمنا على الانصراف قال الجاحظ لرب المنزل : إني ما صليت لمذهب ، أو لسبب ، أخبرك به . فقال له أو فقيل له : ما أظن أن لك مذهباً في الصلاة إلا تركها " (19) ! وفيه يقول ابن قتيبة (20) " وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك العبث ، يريد بذلك ، استمالة الأحداث ، وشُرّاب النبيذ...وهو ـ مع هذا ـ من أكذب الأمة وأوضعهم لحديث ، وأنصرهم لباطل " ! فكيف للقارئ أن يثق ، بمن هو في مثل تلك الصفات أو بأقواله التي تذم اللواط وترفضه ، حتى وإن بدت ، أحياناً ، أنها تتوافق مع روح الإسلام وتعاليمه ؟!
ومن عجيب موقف بعضهم ، القبول بشهادة الجاحظ حين انبرى للّواط قدحاً وتجاهلها حين انبرى له مدحاً ! فهذا حكم مردود ، إذ ثمة تساؤل مشروع ، يطرح نفسه : كيف يستقيم هذا الحكم ؟!
من الواضح ، أن هؤلاء لم يُنصفوا حين استشهدوا بنصف أقوال الجاحظ (تلك التي تذمّ اللواط) وتجاهلوا نصفها الثاني (تلك التي تمدح اللواط) وخلصوا إلى نتيجة مفادها ، أن الجاحظ يذم اللواط ويكرهه ! وفي الحق : إن في أقواله تلك ، حجة له مثلما فيها حجة عليه أيضاً !
من الواضح أن استنتاجهم هذا غير مؤكّد ، ولو أنصفوا لعرضوا لموقف الجاحظ كاملاً لا مجتزءاً ، ذلك بأنه حين يذم اللواط ويقبحه ، ما يلبث أن يمدحه ويحسّنه ! فهو تارة يمدحه وأخرى يذمه (يمدح الجواري ، ويفضّل البطن على الظهر ، وفي المقابل يمدح الغلمان ، ويفضّل الظهر على البطن) إذاً : كيف للقارئ أن يتسرّع باستخلاص مثل تلك الأحكام ؟! يقول الجاحظ على لسان صاحب الغلمان (21) " لو نظر كثيّر وجميل وعروة ، ومَن سميتَ من نُظرائهم ، إلى بعض خدم عصرنا ممن قد اشتُري بالمال العظيم ، فَراهةً وشِطاطاً [حسن القوام] ونقاء لون ، وحُسن اعتدال وجودة قدٍ وقَوام ، لنبذوا بثينة وعزة وعفراء من حالق وتركوهن بمزجر الكلاب " !
واضح أن مثل ذلك الكلام يشي ، للوهلة الأولى ، بأن الجاحظ يميل إلى اللواط ويؤيده ، وهذا حكم أشبه ما يكون ، بحكم مَن قال إن موقف الجاحظ من اللواط سلبي وهو يعارضه لأنه يذمه ، وذلك حين اعتمد على أقوال الجاحظ التي تذم اللواط ، وتجاهل تلك التي تمدحه ! وحتى لو قبلنا جدلاً ، بأن موقف الجاحظ من اللواط كان سلبياً ، وأنه كان يذمه ويكرهه ، أفلا يجوز أنه تراجع عنه وكفّ بعد حين ؟! ولم يكن الجاحظ يرى في تراجعه أي حرج ، لاسيما أن طبيعة تركيب الجاحظ كانت متناقضة ، إذ طالما كان يتحدث في موضوعة ما ، سرعان ما يقلب لها ظهر المجن بكلام متناقض ، ولا يُفصح عن موقفه ، الذي يطغى عليه الاستطراد ، مُبقياً القارئ في حيرة من أمره ! ومعروف ، كذلك ، أن الجاحظ كان يتمتع بقابلية فذّة في عرض الفكرة الواحدة وعرض نقيضها ، والدفاع عن كلتهما ، في الوقت نفسه ، دون أن ينحاز إلى واحدة منهما . وكتبه في مدح الشيء وقدحه ، وبناء الشيء ونقضه ، واضحة وصريحة فالتناقض لدى الجاحظ في التفكير والتعبير موجود !3 ويحسب المرء ، أن في بعض الوقائع والحقائق الآتية ، وإن كانت ، توجب النظر إليها بحذر ، ما يجعله يميل أكثر إلى قبول الرأي : بأن الجاحظ بالفعل كان منغمساً في اللواط ، ومنها على سبيل التمثيل :
أولاً ـ انحراف الجاحظ : يقول المسعودي (22) في الجاحظ " ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه… وكتب الجاحظ – مع انحرافه المشهور – تجلو صدأ الأذهان ، وتكشف واضح البرهان ، لأنه نظمها أحسن نظم ، ورصفها أحسن رصف… " . وقد عقّب عبد السلام هارون (23) في الهامش على ذلك الانحراف مُكتفياً بالقول : " يريد ما كان عليه من الاعتزال وعداوة الشيعة ، وكان المسعودي شيعياً " دون أي توسع أو دليل أو تعليل مُسعف ! وهذا رأي تنفيه حقائق الأمور ومنطقها . لو تتبعنا كتابات المسعودي في غير شخصية معتزلية أخرى ، لما عثرنا ولو على مثال آخر ، يذم فيه أحداً ممن اعتنق مذهب الاعتزال ، مثال ذلك : الخليفة المأمون فإننا نجد المسعودي ، ليس أنه لا يذمه فقط ، بل على العكس يُكثر من إطرائه ! يقول في وصفه للمأمون " وأظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد وجالس المتكلمين وقرّب إليه كثيراً من الجدليين [المبرزين] والمناظرين… وكان أكثر الناس عفواً وأشدهم احتمالاً وأحسنهم مقدرة ، وأجودهم بالمال الرغيب ، وأبذلهم للعطايا "(24) ! ومثال آخر هو أحمد بن دؤاد ، الذي يُعدّ أحد أشهر رؤوس المعتزلة ، وقد عينه المأمون مستشاراً له ، وأبقاه المعتصم ، الذي اعتنق مذهب الاعتزال هو الآخر ، في منصبه وقرّبه منه ، وأجلسه في سدة حكومته . ما يشي بأن المسعودي ربما يكون قد قصد بانحراف الجاحظ ، انغماسه باللواط ولا شيء سواه !
ثانياً ـ المأمون يطرد الجاحظ : من غير المستبعد أن يكون ، ما لاحظه الخليفة المأمون من أمر الجاحظ ، يبدو أن سلوكياته لم تعجبه ، هو ما دفعه إلى طرده وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من توليه لمنصب رئاسة ديوان الرسائل ، فقد " صُدّر الجاحظ في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام ثم إنه استعفى فأعفي ، وكان سهل بن هارون يقول : إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان أفل نجم الكتّاب " (25) ! وإن كان بعضهم لم يجد من تبرير للجاحظ ، سوى القول : إنه قد يكون سبب إعفائه من المنصب ، رفضه الخضوع لنُظمه وتقاليده ، ومؤثراً الحرية على القيود . لذلك استعفى فأعفي !
ثالثاً ـ المتوكل يطرد الجاحظ : ما نُقل عن الجاحظ قوله " ذُكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده فلما رآني استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني "(26) ! هل للقارئ أن يقبل هذا الكلام على علاته ، ومن طرف واحد ؟! تُرى هل يُعقل بأن المتوكل سليل الخلافة ، لم يعلم بمنظر الجاحظ ، ولم يره أو يسمع به ، أو يعرف عن منظره ، وقد كان ((أشهر من نار على علم)) سيما أنه كان عاصر ما يربو على عشرة من الخلفاء العباسيين ، بضمنهم المتوكل ، قبل أن يستقدمه لتربية أبنائه ؟! يقول ياقوت الحموي في الجاحظ (27) إن " الخلفاء تعرفه ، والأمراء تصافيه وتنادمه " ! لكن للقارئ أن يزعم بأن المتوكل ، قد خشي ، كما يبدو ، على أولاده منه فطرده من بلاطه ، وإن كنا لا نقطع بذلك ! وهذا يوسف بكار يقول (28) " لتلك العادة السيئة [اللواط] خاف الخلفاء والأمراء على أبنائهم ، من أن يدب إليهم الفساد عن طريق مؤدبيهم وندمائهم ، ممن عُرفوا بها ، فسارعوا إلى إخراجهم وإبعادهم عنهم " . وقد تكرر مثل ذلك مع غير خليفة !
رابعاً ـ اللواط صفة ملازمة للكتّاب ! ومما أورده الجاحظ (29) نفسه ، على لسان أحد الشعراء ، قوله في الكتّاب ، والجاحظ يعدّ أحدهم : وعلى الّلواط فلا تلومنْ كاتباً
إن الّلواط سجية في الكاتب
من الواضح ، أن الكلام هنا يدور بإطلاق ، يُثبت ذلك ، أن الجاحظ لم يكلّف نفسه
عناء الرد ، ولم يتعرّض لهذا الكلام ، أو يتوقف عنده أبداً ، بل مرّ عليه دون أن يناقشه . تُرى هل يقرّ ويقبل انغماس الكتّاب في اللواط ويستثني نفسه ، دون أن يُدافع عنها ؟!
خامساً ـ ترغيب الجاحظ باقتناء الغلمان : تكرّر ميل الجاحظ إلى اللواط ، في غير مصدر ، من مؤلفاته هو (هذه المرة أيضاً في الحيوان)إذ يعمد إلى الترهيب من حب النساء ، والترغيب باقتناء الغلمان ، يقول على لسان ((صاحب الكلب)) " إياكم إياكم وحبّ النساء...وعليكم باتخاذ الغلمان ، فإن غلامك هذا أنفع لك من أخيك وأعون لك من ابن عمك " (30) !
سادساً ـ إشارة الخطيب البغدادي : حين يذكر البغدادي بعض كتب الجاحظ فإنه ينسب إليه كتاباً في اللاطة وينعته بمعاني تلك الكتب ، إذ قال " ومنها كتبه في القحاب والكلاب واللاطة...ومعاني هذه الكتب لائقة به وبصفته وأسرته " (31) ! والإشارة كما توحي العبارة واضحة ، اتهام الجاحظ صراحة باللواط ، ناهيك بما فيها من تعريض !
سابعاً ـ الجاحظ لم يتزوج : معروف أن الجاحظ لم يتزوج بتاتاً ، وهذا سبب آخر يزيد في احتمال أن يكون الجاحظ حقاً لواطياً ، يقول شارل بلات " لم يكن للجاحظ زوجة شرعية ، وأنه لم يرد ذكرها عنده مطلقاً " (32) ! وإن كانت ثمة رواية عن زواجه ، لا تحتمل التصديق ، فهي أقرب ما تكون إلى الخيال منها إلى الحقيقة ! وهي أيضاً مما نُسب إلى الجاحظ : تقول الرواية أنه تزوج ، لدمامة خلقه من امرأة حسناء لكنها حمقاء ، آملاً أن يحظى بمولود بجمالها هي ، وبرجاحة عقله هو ، فماذا كانت النتيجة ؟ على العكس تماماً مما قدّر ، فقد جاء المولود في دمامة خلقه هو ، وفي حماقتها هي (33) !
ثامناً ـ رواية التيفاشي : يقول شهاب الدين أحمد التيفاشي (34) مما نسبه إلى الجاحظ نفسه ، ونقله على لسانه ما يأتي " نزل بي ضيف فنومته في الدار ، فوجدته في بعض الليالي معي على السرير ينـ...[يواقعني] فقلت : ويحك ، ما هذا ؟ ولمَ دخلت هنا ؟ فقال : وجدت البرد ! فقلت : فلمَ طلعت على السرير ؟ فقال : من البراغيث ! فقلت: فلمَ تنـ...؟ [تواقعني] فقال : ليس هذا موضع المسألة "
! وإن كنا لا نقطع برواية التيفاشي هذه ، على وجه التحقيق والتأكيد ، سيما أنه يُعدّ من المتأخرين (580هـ ـ 651هـ) لكن من حق القارئ أن يتساءل : تُرى لو لم يكن لهذه الشُبهة من أساس يُعتمد ، كيف يُرمى بها الجاحظ دون سواه ، وعلى يد مَن ولي منصب القضاء في بلده ؟! هل هذا محض صدفة ؟!
لكن الذي يبدو ، أنه لم يلهج كثر بهذه ((القضية)) على عهد الجاحظ ، خشية منه ! فقد كان يُخشى من الجاحظ ويُعمل له ألف حساب ، فأعرضوا ، كما يبدو ، عن التعريض به ، أو التعرّض له . وما ذلك إلا خشية من قوة شخصيته وسلاطة لسانه وما كان يُعرف به من تهكم لاذع ومقذع ، ونقد ساخر وسرعة خاطر ، في الرد والنيل من الآخر ، وكدليل على ذلك نورد الحادثة الآتية " قيل لأبي هِفّان لمَ لا تهجو الجاحظ وقد ندّد بك وأخذ بمُخَنّقك ؟ فقال : أمثلي يُخدع عن عقله ، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شُهرةً ، ولو قلت فيه ألف بيت لما طنّ منها بيت في ألف سنة " (35) . وهذا مما يُثبت إلى أي مدى كان يُخشى جانب الجاحظ !
لكن من الواضح ، أن الجاحظ آثر التحلل من كل شيء ، فقد عاش الحرية على هواه ، ووفق مزاجه ، فكانت له حرية في العلم والبحث ، وحرية في الدين والمعتقد وكانت له حرية في اللغة والأدب ، والكتابة والتصنيف ، وحرية في المخالطة والسلوك ! وبعد ، فلو أخذنا الرأيين بمبدأ التقسيم والاحتمال ، وعلى ضوء الحقائق التاريخية وقراءتها قراءة استقرائية ، لظهر لنا رُجحان كفة الإدانة على كفة البراءة ! مهما يكن من شيء ، فإن هذه المقاربة لا تدعي الإحاطة بتلك الإشكالية من جوانبها كافة ، ما يبقي على الباب مفتوحاً ، أمام المزيد من البحث والتنقيب والتمحيص . كذلك ، ربما يكون في العثور ، مستقبلاً ، على مخطوط اللاطة تأليف الجاحظ بحسب أقوال البغدادي ، ما يُلقي المزيد من الضوء ، على هذا الجانب الأخلاقي من حياة الجاحظ ، الأمر الذي قد يساعد على الكشف عن موقفه الحقيقي من اللواط !
(طرعان)
هوامش
(21) الجاحظ : رسائل الجاحظ ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، ج2 ، ص105 ، دار الجيل ، بيروت ، 1991 .(22) المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر ، ط5 ، ج4 ، ص195 ، دار الفكر ، بيروت ، 1973 .(23) عبد السلام هارون : كتاب الحيوان ، ج1 ، ص9 ، المقدمة ، دار الجيل ، بيروت ، 1992 .(24) المسعودي : مروج الذهب ، ط5 ، ج4 ، ص318-319 . انظر كذلك وصفه للمعتصم والواثق ، ص319 فإنه لا يتعرّض لهما إطلاقاً !(25) ياقوت الحموي : معجم الأدباء ، ج16 ، ص78-79 ، دار المستشرق ، بيروت .(26) ابن خلكان : وفيات الأعيان ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد ، ج3 ، ص141 ، القاهرة ، 1948 .(27) ياقوت الحموي : معجم الأدباء ، ج16، ص98 .(28) يوسف بكار : اتجاهات الغزل في القرن لثاني الهجري ، ص193 .(29) الجاحظ : رسائل الجاحظ ، ج2 ، ص112 . (30) الجاحظ : الحيوان ، ج2 ، ص366 ، تحقيق عبد السلام هارون ، دار الجيل ، بيروت ، 1992 .(31) عبد القاهر البغدادي : الفرق بين الفرق ، ص177، دار المعرفة ، بيروت.(32) شارل بلات : الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء ، ص339 .المصدر نفسه : ص339-.(33) المصدر نفسه: ص 339-340 عن الكتبي: عيون التواريخ، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1980، دون الاشارة الى رقم الصفحة.(34) شهاب الدين احمد التيفاشي: نزهة الالباب فيما لا يوجد في كتاب، تحقيق جمال جمعة، ص 214، رياض الريس للكتب والنشر، لندن – قبرص، 1992.(35) ياقوت الحموي: معجم الادباء، ج 16، ص99.
10 التعليقات:
ببینم این پست را برای کی گذاشتی ؟؟
اخه مرد حسابی ما که زبان فارسی را هم زورکی میخوانیم حالا بیاییم و زبان عربی را بخونیم اون هم با این ادبیات؟؟؟
بی خیال شو
یا حداقل ترجمه اش را هم مینوشتی
فاليوم كل عزيز بعدكم هانا ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ..... عدوا له ما من صداقته بد نحن بنو الموتى فما بالنا ..... نعاف ما لا بد من شربه الحب ما منع الكلام الألسنا ..... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا وكم من عائب قول صحيحا ..... وآفته من الفهم السقيم إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ..... أن لا تفارقهم فالراحلون هم يا من يعز علينا أن نفارقكم ..... وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قد قال حاسدنا ..... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
يقول الزير أبو ليلى المهلهل وقلب الزير قاسي ما يلينا
وان لان الحديد ما لان قلبي وقلبي من حديد القاسيينا
تريدي يا أميه أن أصالح وماتدري بما فعلوه فينا
فسبع سنين قد مرت علي أبيت الليل مغموما حزينا
****
پوریا
واحر قلباه ممن قلبه شبم ** ومن بجسمي وحالي عنده سقم
--------------------------------------------------------------------------------
قبل فتره فتحت التلفزيون وعلى صوت مطرب يمني يترنم بقصيده واحر قلباه ممن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده سقم
جريت على مكتبتي الخاصه وسحبت ديوان المتنبي وصرت اتابع مع المطرب
طبعا تذكرت اشياء كثيره تخصني فقررت انقل لكم القصيده مع قصتها
كان في ذاك الوقت ابو الطيب المتنبي تحت سيف الدولة الحمداني
وكان صديقه وحبيبه وفي نفس الوقت كان المتنبي شاعر سيف الدوله الحمداني المقرب
ولكن دخل الوسواس الكريه (( اكرهه بعنف لانه هو السبب في هيام ابو الطيب على وجهه في الارض )) وهو قريب سيف الدولة الحمداني ويقال انه ابن عمه وهو شاعر معروف وهو " ابو فراس الحمداني " (( عليه من الله ما يستحق )) (( صح له قصايد حلوه مثل قصيدة اراك عصي الدمع ولكن اكرهه بسبب معاملته السيئه لابو الطيب )) وكان يحاول ان يقلل من شأن ابو الطيب عند سيف الدوله الحمداني
وكان كلما انشد ابو الطيب يتدخل ابو فراس ويقول له انت لا تحترم الشعر ولا تحترم الامير وابياتك مسروقه من الشاعر الفلاني والعلاني
ومن المعروف ان ابو الطيب هو اول شاعر لا يقول شعره واقفا بل يقوله وهو جالسا على كرسيه فخرا بنفسه واعتزازا ولا يقف امام امير او حاكم بل يجلس ويتكلم عكس الجميع لفخره الشديد بنفسه وبتربيته (( حيث ان ذاك الزمان اختلط العجم بالعرب وابو الطيب عاش وتربى في الصحراء عند خالته يعني بدوي الشكيمه مره ))
ذات يوم طلب سيف الدوله ان يكتب المتنبي فيه قصيده يمدحه فيها
فكتب قصيدته ابو الطيب وانشد يقول (( من الورقه )) :
وبدأ ينشد :
واحر قلباه ممن قلبه شبم ** ومن بجسمي وحالي عنده سقم
مالي اكتم حبا قد برى جسدي ** وتدعي حب سيف الدوله الامم
وكان ابو فراس موجود وكان كلما قال المتنبي بيتا قال هذا بيت قديم قد قاله شاعر قبلك
والمتنبي ما يرد عليه ويكمل قصيده ولكن غضبه يزداد شيئا فشيئا
الى ان وصل الى البيت الذي يقول
يا اعدل الناس الا في معاملتي ** فيك الخصام وانت الخصم والحكم
اعيذها نظرات منك صادقه ** انت تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع اخي الدنيا بناظره ** اذا استوت عنده الانوار والظلم
فقال ابو فراس هذا بيت قاله شعر قبله ويتكلم ابو فراس بصوت عالي حتى يسمع سيف الدوله
فغضب ابو الطيب غضبا شديدا ووقف ورمى الورقه وانشد ارتجالا (( من عقله ))
واكمل قصيدته من عقله بدون ورقه واقفا وهي اول مره يقول فيها شعره وهو واقفا
وبدأ يقول :
وسيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ** بانني خير من تسعى به قدم
انا الذي نظر الاعمى الى ادبي ** واسمعت كلماتي من به صمم
انام ملء حفوني عن شواردها ** ويسهر الخلق جراها ويختصم
وجاهل مده جهله في ضحكي ** حتى اتته يد فراسه وفم
اذا رأيت نيوب الليث بارزه ** فلا تظنن ان الليث يبتسم
ومهجة مهجتي من هم صاحبها **ادركتها بجواد ظهره حرم
رجلاه في الركض رجل واليدان يد ** وفعله ما تريد الكف والقدم
ومرهف سرت بين الجحفلين به ** حتى ضربت وموج الموت يلتطم
الخيل والليل والبيداء تعرفني ** والسيف والرمح والقرطاس والقلم
صحبت في البيداء الوحش منفردا ** حتى تعجب مني القور والاكم
فذهل ابو فراس الحمداني وفغر فاه ولم يعرف ماذا يقول ولكن كان سيف الدوله في تلك اللحظه مكوي بالنار حيث ان القصيده كانت يجب ان تكون في مدحه امام وزراه الدوله وليست لمدح ابو الطيب لنفسه امام الملك فغضب سيف الدوله وامسك بالمحبره ورماها في رأس ابو الطيب فاصابه بها في جبينه فاصبح وجهه يدمي ولكنه لم يسكت
بل اكمل قصيدته ارتجالا والجميع فاغر فاه وهو يقول :
يامن يعز علينا ان نفارقهم ** وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ماكان اخلقنا منكم بتكرمه ** لو ان امكم من امرنا امم
ان كان سركم ماقال حاسدنا ** فما لجرح اذا ارضاكم الم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ** ان المعارف في اهل النهى ذمم
ووجه نظرته الى ابو فراس الذي اصبح يلمم اثوابه ولا يعرف اين ينظر وقال فيه :
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ** ويكره الله ما تأتون والكرم
ما ابعد العيب والنقصان عن شرفي ** انا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ** يزيلهن الى من عنده الديم
واعاد بنظرته الى الحاضرين جميعهم وبدأ يقول الحكم البليغه التي لن ينطق بها شاعر بعده وما نطق بها شاعر قبله :
لئن تركت ضميرا عن ميامننا ** ليحدثن لمن ودعتهم ندم
اذا ارتحلت عن قوم وقد قدروا ** ان لا تفارقهم فالراحلون هم
شر البلاد بلاد لا صديق به ** وشر ما يكسب الانسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص ** شهب البزاه سواؤ فيه والرخم
والقى نظره على ابو فراس وعلى سيف الدوله وقال :
بأي لفظ تقول فيه الشعر زعنفة ** تجوز عندك لا عرب ولا عجم
هنا اصبح وجه ابو فراس لا فرق بينه وبين الارض
ثم توجه المتنبي بنظره الى سيف الدوله وقال :
هذا عتابك الا انه مقة ** قد ضمن الدر ... الا انه كلم
صدقت يا ابا الطيب لقد ضمن الدر كل ما قلته قد ضمن الدر
ما اجمل ارتجالك عما تكتبه اوراقك او اوراق جميع شعراء الكون
رحمك الله يا ابا الطيب
***
کَفکِف دُمُوعَکَ، لَيس يَنفَعُکَ البُکاءُ وَ لا العَويلُ
وَانهَض وَلا تَشکُ الزَّمانَ، فَما شَکا الّا الکَسُولُ
وَ اسلُک بِهِمَّتِکَ السَّبيلَ، وَ لا تَقُل کَيف السَّبيلُ
ما ضَلَّ ذُو أَمَلٍ سَعی يَومَاً وَ حِکمَتُهُ الدَّليلُ
کلَّا، وَ لا خابَ امرؤٌ يَومَاً وَ مَقصدُه النبيلُ
***
أَفنَيتَ يا مِسکينُ عُمرَکَ بِالتأوُّهِ وَ الحَزَن
وَ قَعدتَ مَکتوفَ اليَدينِ تَقُولُ:حارَبَنی الزَّمَن
ما لَم تَقُم بِالعبءِ أنتَ، فَمَن يَقومُ بِهِ إذَن؟
***
ضمّـني اليك
كي اذا خسرتُ شدّة قلبي تزوّدني شدة قلبكَ
كي اذا ذهبتْ جذوري عميقاً أكون في عهدة هاويتك
كي اذا اهدرتُ عمري ازداد بك اعماراً ولغات.
ضمّـني اليك
كي أصيرَ عشبةً تؤرق الصخر
كي تصيرَ صخرة ليّـنة في ظل عشبة
كي يولد نهرٌ بيني وبينك فتـفيض كل الأنهار
كي أترجّل من جبالي لألاقيك
كي أكتشف كم أنك الصعود
كي تكتشف كم أني الغرق
كي اذا سرتُ اليك أرفع جسراً بين ضوء وتهلكة.
ضمّـني اليك
كي تطلبني كتفاحة تشتاق قطافها
كي أهرقك كتفاحة بعد قطافها
كي أغمرك بما لا تستطيع
كي أصنع من أجلك ليلاً وغيمة فوق ليل
كي أنسّيك أني شجرة لأغصانك
كي أنسّيك أنك أغصان لشجرة
كي اذا غلبتـني الحياة أربح معك حياتي.
ضمّـني اليك
ثم اطلق سراح يديّ
كي كلما كدنا نصير واحداً
ظللنا اثـنين عاطلين عن القدر.
***جمانه حداد***
*********
پوریا