الجمعة، 15 نوفمبر 2019

 إنما كانت العرب في الجاهلية ينكح بعضهم نساء بعض في غاراتهم بلا عقد نكاح و لا استبراء من طمث، فكيف يدري أحدهم من أبوه.
و قد فخر الفرزدق ببني ضبة حين يبتزّون العيال في حروبهم في سبيّة سبوها من بني عامر بن صعصعة فقال:
فظلّت و ظلّوا يركبون هبيرها # و ليس لهم إلا عواليهم ستر
و الهبير: المطمئن من الأرض؛ و إنما أراد هاهنا فرجها.
و هو القائل في بعض ما يفخر به:
و منا التّميمي الذي قام أيره # ثلاثين يوما ثم قد زادها عشرا
باب المتعصبين للعرب‌
قال أصحاب العصبية من العرب: لو لم يكن منا على المولى عتاقة و لا إحسان إلا استنقاذنا له من الكفر و إخراجنا له من دار الشرك إلى دار الإيمان كما في الأثر: إن قوما يقادون إلى حظوظهم بالسواجير. [1] كما قال: عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل.
على أنّا تعرّضنا للقتل فيهم: فمن أعظم عليك نعمة ممن قتل نفسه لحياتك؟فاللّه أمرنا بقتالكم، و فرض علينا جهادكم و رغبنا في مكاتبتكم.
و قدّم نافع بن جبير بن مطعم رجلا من أهل الموالي يصلي به، فقالوا: له في ذلك؛ فقال: إنما أردت أن أتواضع للّه بالصلاة خلفه.
و كان نافع بن جبير هذا إذا مرّت به جنازة قال: من هذا؟فإذا قالوا قرشي؛ قال: وا قوماه!و إذا قالوا: عربي؛ قال: وا بلدتاه!و إذا قالوا: مولى؛ قال: هو مال
نفس عصام سوّدت عصاما # و علّمته الكر و الإقداما
و صيّرته ملكا هماما
و قال آخر:
مالي عقلي و همّتي حسبي # ما أنا مولى و لا أنا عربي
إن انتمى منتم إلى أحد # فإنّني منتم إلى أدبي‌ [1]
و تكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كل مذهب، فأعجب عبد الملك ما سمع منه، فقال: ابن من أنت يا غلام؟قال: ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي نلت بها هذا المقعد منك!قال: صدقت!.

و برحرحان غداة كبّل معبد # نكحت نساؤكم بغير مهور

أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم بعث إلى الأحمر و الأسود من بني آدم، و كان أوّل من تبعه حرّ و عبد و اختلف الناس فيهما، فقال قوم: أبو بكر و بلال، و قال قوم:
عليّ و صهيب.
و لما طعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قدم صهيبا على المهاجرين و الأنصار فصلى بالناس و قيل له: استخلف. فقال: ما أجد من أستخلف. فذكر له الستة من أهل حراء، فكلهم طعن‌ [1] عليه، ثم قال: لو أدرك سالما مولى أبي حذيفة حيا لما شككت فيه. فقال في ذلك شاعر العرب:
هذا صهيب أمّ كلّ مهاجر # و علا جميع قبائل الأنصار
لم يرض منهم واحد لصلاتنا # و هم الهداة و قادة الأخيار
هذا و لو كان المثرّم سالم # حيّا لنال خلافة الأمصار
ما بال هذي العجم تحيا دوننا # إن الغويّ لفي عمى و خسار [2]
و قال بجير يعيّر العرب باختلافها في النسب و استلحاقها للأدعياء:
زعمتم بأن الهند أولاد خندف # و بينكم قربى و بين البرابر
و ديلم من نسّل ابن ضبّة باسل # و برجان من أولاد عمرو بن عامر
فقد صار كلّ الناس أولاد واحد # و صاروا سواء في أصول العناصر
بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم # و أولى بقربانا ملوك الأكاسر [3]
أ تطمع في صهري دعياّ مجاهرا # و لم تر سترا من دعيّ مجاهر
و تشتم لؤما رهطه و قبيله # و تمدح جهلا طاهرا و ابن طاهر
و قد ذكرت هذا الشعر تامّا في كتاب النساء و الأدعياء و النجباء.
و قال الحسن بن هانئ على مذهب الشعوبية:
 جاورت قوما ليس بيني و بينهم # أواصر إلا دعوة و بطون‌ [1]
إذا ما دعا باسمي العريف أجبته # إلى دعوة ممّا عليّ يهون
لأزد عمان بالمهلّب نزوة # إذا افتخر الأقوام ثم تلين‌ [2]
و بكر يرى أن النّبوة أنزلت # على مسمع في البطن و هو جنين
و قالت تميم لا نرى أنّ واحدا # كأحنفنا حتّى الممات يكون
فلا لمت قيسا بعدها في قتيبة # إذا افتخروا إنّ الفخار فنون‌
ردّ ابن قتيبة على الشعوبية

في بلدة لم تصل عكل بها طنبا # و لا خباء، و لا عك و همدان‌ [2]
و لا لجرم و لا بهراء من وطن # لكنها لبني الأحرار أوطان
أرض يبنّي بها كسرى مساكنه # فما بها من بني اللّخناء إنسان‌
دعا معاوية الأحنف بن قيس و سمرة بن جندب فقال إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت، و أراها قد طعنت على السلف، و كأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب و السلطان؛ فقد رأيت أن أقتل شطرا و أدع شطرا لإقامة السوق و عمارة الطريق؛ فما ترون؟ فقال الأحنف: أرى أن نفسي لا تطيب؛ أخي لأمي و خالي و مولاي، و قد شاركناهم و شاركونا في النسب. فظننت أني قد قتلت عنهم؛ و أطرق.
فقال سمرة بن جندب: اجعلها إلىّ أيها الأمير، فأنا أتولى ذلك منهم و أبلغ منه.
فقال: قوموا حتى أنظر في هذا الأمر.
قال الأحنف: فقمنا عنه و أنا خائف، و أتيت أهلي حزينا؛ فلما كان بالغداة أرسل إليّ، فعلمت أنه أخذ برأيي و ترك رأي سمرة.
و روي أن عامر بن عبد القيس في نسكه و زهده و تقشفه و إخباته و عبادته كلّمه حمران مولى عثمان بن عفان عند عبد اللّه بن عامر صاحب العراق في تشنيع عامر على عثمان و طعنه عليه، فأنكر ذلك، فقال له حمران: لا كثّر اللّه فينا مثلك!فقال له عامر: بل كثّر اللّه فينا مثلك!فقيل له: أ يدعو و تدعو له؟قال: نعم، يكسحون‌
طرقنا، و يخرزون خفافنا، و يحركون ثيابنا. فاستوى ابن عامر جالسا، و كان متكئا، فقال: ما كنت أظنك تعرف  هذا الباب، لفضلك و زهادتك. فقال: ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه، لا أعرفه.
قالوا: إن خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد لما وجّه أخاه عبد العزيز إلى قتال الأزارقة، هزموه و قتلوا صاحبه مقاتل بن مسمع، و سبوا امرأته أم حفص بنت المنذر ابن الجارود العبدي، فأقاموها في السوق حاسرة بادية المحاسن، و غالوا فيها و كانت من أكمل الناس كمالا و حسنا، فتزايدت فيها العرب و الموالي و كانت العرب تزيد فيها على العصبية، و الموالي تزيد فيها على الولاء، حتى بلّغتها العرب عشرين ألفا، ثم تزايدوا فيها حتى بلّغوها تسعين ألف، فأقبل رجل من الخوارج من عبد القيس من خلفها بالسيف فضرب عنقها، فأخذوه و رفعوه إلى قطري بن الفجاءة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا استهلك تسعين ألفا من بيت المال و قتل أمة من إماء المؤمنين.
فقال له: ما تقول؟قال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت هؤلاء الإسماعيلية و الإسحاقية قد تنازعوا عليها حتى ارتفعت الأصوات و احمرت الحدق، فلم يبق إلا الخبط بالسيوف، فرأيت أن تسعين ألفا في جنب ما خشيت من الفتنة بين المسلمين هينة. فقال قطري:
خلّوا عنه، عين من عيون اللّه أصابتها. قالوا: فأقد منه. قال: لا أقيد من وزعه‌ [1]
اللّه. ثم قدم هذا العبدي بعد ذلك البصرة، فإذا النعمان بن الجارود يستجديه بذلك السبب، فوصله و أحسن إليه.

قال: أبو عبيدة: مر عبد اللّه بن الأهتم بقوم من الموالي و هم يتذاكرون النحو، فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان و خاقان و مؤمل بن خاقان.
صمعي قال: قدم أبو مهدية الأعرابي من البادية فقال له رجل: أبا مهدية أ تتوضئون بالبادية؟قال: و اللّه يا ابن أخي لقد كنا نتوضأ فتكفينا التوضئة الواحدة

ثلاثة الأيام و الأربعة، حتى دخلت علينا هذه الحمراء-يعني الموالي-فجعلت تليق استاهها بالماء كما تلاق‌ [1] الدواة.
و نظر رجل من الأعراب إلى رجل من الموالي يستنجي بماء كثير، فقال له: إلى كم تغسلها ويلك!أ تريد أن تشرب بها سويقا! و كان عقيل بن علقمة المرّي أشدّ الناس حميّة في العرب، و كان ساكنا في البادية، و كان يصهر إليه الخلفاء؛ و قال لعبد الملك بن مروان و خطب إليه ابنته الجرباء: جنّبني هجناء ولدك. و هو القائل:

ليست هناك تعليقات: